آخر تحديث: 30 / 11 / 2021م - 5:25 م

كيف نقرأ التاريخ؟

حسن الجزيري *

يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْض فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُجْرِمِينَ. سورة النمل 69

هذه الاية الكريمة تحث على تتبع سير الامم السابقة عبر التاريخ ومعرفة ما آل اليه عاقبة المجرمين فيها.

وهذا يتم عن طريق ما نقله المؤرخون عن احوال الامم التي سبقتنا.

وهناك مقولة تقول:

لو انك حدثت شخص بحادثة ما. وجئت لتسمع قصة الحدث بعد مرورها بمائة شخص. لوجدتها تختلف كلياً عن اصل الحدث الذي انت من نقله لاول شخص.

وهذا امر طبيعي لدى البشر. فكل شخص سوف يتصور الحادثة وشخصياتها بحسب مفهومه للكلام وللصورة التي يرسمها في ذهنه عن شخصيات الحدث.

ولرؤية المحدث للحدث في مخيلته ومناسبة سرده تحتم عليه ذكر تفاصيل اكثر من المعتاد «ليس تزويراً في الحدث ولكن لاظهار المناسبة» لا تؤثر على الحدث نفسه ولكنها قد توضح جوانب الحدث. وقد ورد في القران شيء من هذا. قال تعالى: ﴿«هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ «24» إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ «25» فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ «26» سورة الذاريات. وفي نقل اخر للحدث نفسه في سورة هود يقول عز وجل ﴿«وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ «69». فالحدث واحد والعجل واحد. ولكن لما ذكر انهم ضيوف مكرمين. جاء وصف العجل انه سمين اي انه من اجود النعم لديه. ليس بقصد التغيير في الحدث ولكن بقصد ابراز ضرورة كرم الضيافة.

اذن كيف نجمع بين الاية الشريفة والتي لا يشك اي مسلم في صدقها التي تأمرنا بالسير في قصص السابقين. وبين هذه المقولة التي لا تخالف الواقع البشري في جميع المجتمعات الموجودة؟.

فالمؤرخون لم يعيشوا جميع احداث التاريخ ولا حتى اغلبها كما هو معلوم. ولكنهم دونوا هذه الاحداث التي وصلت اليهم بالنقل والرواية عن اشخاص منهم من عايشها ومنهم من نقل عمن قبله. فلا يوجد من يعيش جميع الازمنة وفي جميع الاماكن.

واليوم ينادي البعض بضرورة قراءة التاريخ من جديد. واعادة صقل شخصياته لمحو ما نالها من الزيف بالزيادة او النقصان من شأنها وعظمتها.

ولكن قبل ان نعيد قراءته وصقل شخصياته بعناية لتأخذ كل شخصية منها حقها الطبيعي الذي تستحقه من صفحات التاريخ. يجب علينا ان

نؤهل انفسنا لقراءة التاريخ. ونعرف كيف نقرأه.

اذ لا يمكننا نفي احداث واوصاف لم نعايشها ونراها ولم نتحقق من صدقها. ولا يمكن ان نجري احكام العقل والواقعية في جميع احداث التاريخ. فكثير من قصص الانبياء ومعاجزهم لا تتوافق مع العقل.

لذا علينا ان نقرأ التاريخ كما جاء. ونعيد القراءة مرة بعد مرة ومن جميع المصادر الموجودة ولا نكتف بما هو تحت متناول ايدينا او ما نراه صحيح ونؤمن به. بل نبحث في كل ما هو موجود وان خالف معتقدنا الى ان تتضح لنا الصورة الاصح.

وان نؤمن ايماناً قاطعاً ان عدم وثوقنا بالحدث الوارد او عدم موافقته للعقل والواقع، لا يفي بالضرورة لنفي وقوعه وحدوثه. والا فان الالحاد يكون اقرب منا لحكم العقل وللمصداقية في كثير من احداث التاريخ. منها:

- كيف يسلم شخص من نار حارقة بقي فيها ساعات طويلة؟ كما حصل مع نبي الله ابراهيم عليه وعلى نبينا واله السلام.

- وكيف لعصا ان تتحول الى حية تسعى بلا سحر. بل وتأكل عمل السحرة؟ كما حصل مع نبي الله موسى على نبينا واله و.

- وكيف لطفل في المهد ان يتحدث بلسان مبين واضح؟ كما حصل مع نبي الله عيسى على نبينا واله و.

قد يقول قائل «ان هذه معجزات من الله اجراها على انبياءه ورسله».

والاجابة ان التاريخ ليس خاصاً بالمسلمين واصحاب الديانات السماوية فقط لنقول ذلك. فهناك الملحدون الذين لا يؤمنو بالله، كما انه هناك اصحاب ديانات اخرى لا يؤمنون بهذه المعاجز.

والاجابة على المسلمين منهم. انه من باب العدل الالهي يجب علينا ان لا نستثني شيء ولا نبعد احد عن حكم العقل اذا ما قبلنا به حكماً في قراءتنا للتاريخ. فما قصص الانبياء الا جزء من التاريخ. وما العواقب التي حلت على اقوام كفروا بربهم الا جزء مكمل لقصص الانبياء.

فكيف يأمرنا الله سبحانه وتعالى ان نسير في تقصي اثار الامم السابقة. لنعتبر مما حدث لهم. شريطة ان تكون الاحداث وفقاً للعقل. ومن ثم نستبعد ذلك عن اشخاص نحن نجلهم ونعظمهم. ونضعه حول اشخاص نراهم بلا قدر ولا شأن. وهذا ليس من العدل والانصاف في شيء. والله عز وجل منزه عن الظلم فهو العدل الحكم.

والقران الكريم. من اعظم الكتب التي نقلت لنا بعض احداث الامم السابق. كما نقل لنا جملة من الاحداث التي وقعت ايام النبي محمد صلى الله عليه واله. ولا يمكن ان ينكر ذلك احد.

فعندما منحت ملكة بريطانيا لقب «فارس» للكاتب سلمان رشدي في عام 2007 م. وعلى هامش الحفل إلتقت به احدى القنوات التلفزيونية التي حضرت لتغطية الحدث. فسألته المذيعة عن القران الكريم. وما رأيه فيه؟

فكان جوابه:

لا يمكن اعتبار القران كتاب ديني يتعبد به. ولكن يجب ان نحتفظ فيه ونهتم به باعتباره وثيقة تاريخية مهمة جداً... انتهى.

فهل سنعتبر القران الكريم كتاب للعبادة فقط؟

ام سنتجاهل ما جاء فيه من قصص واحداث تاريخية، كان البعض منها مفصلياً في الامم السابقة، واخر مرحلياً للمسلمين الاوائل ومهم لمن جاء بعدهم الى يوم القيامة. بالرغم من حث القران الكريم لنا على تقصي احوال الامم السابق!

هل سنستمر باحكام العقلانية في الاحداث التاريخية. والقران الكريم فيه من الاحداث التي تخالف العقل كتحول عصا الى حية تسعى بلا سحر؟

ام سننظر للاحداث التاريخية بازدواجية فالتي بالقران الكريم حالة استثنائية. ولا ينظر لها بالعقلانية لانها تمس من نجلهم ونعظمهم. وما عداها نحكم فيها العقل. ونصبح بذلك مخالفين لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ «8» سورة المائدة.

فهل سنعرف كيف نقرأ التاريخ. قبل اعادة قراءته؟!