آخر تحديث: 23 / 10 / 2021م - 6:59 ص

أحداث تونس.. نهاية مرحلة

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

في السابع عشر ديسمبر 2010، أقدم الشاب التونسي محمد البوعزيزي الذي يعمل بائعاً متجولاً على حرق نفسه، احتجاجاً على مصادرة العربة التي كان يبيع عليها الخضار والفواكه. وقد أشعلت تلك الحادثة حالة من الغضب وسط التونسيين. وبسرعة البرق، تحولت مشاعر الغضب إلى تظاهرات احتجاج صاخبة، عمت المدن التونسية، مطالبة بتغيير النظام، لتتسبب في رحيل الرئيس زين العابدين بن علي، وإعلان إسقاط النظام وانتصار «الثورة»، بعد قرابة شهر من اندلاع الحركة الاحتجاجية.

وبسرعة الهشيم، انتقلت عدوى الحركة الاحتجاجية، إلى مصر وليبيا وسوريا واليمن وأقطار عربية أخرى، لتبدأ مرحلة جديدة في التاريخ العربي عرفت بمرحلة «الربيع العربي» تحت شعار «ثورات الحرية والكرامة».

ومنذ البداية، اتسمت مقالاتنا تجاه هذه الأحداث بالتريث، وعدم التسرع في التفاؤل، أو إطلاق الأحكام تجاه ما جرى من أحداث جسام، لكن ذلك لم يمنع من تسجيل بعض الملاحظات والتحفظات تجاه الأحداث الدرامية المتسارعة التي ارتبطت ب «الربيع العربي».

أولى تلك الملاحظات هي تسرع الحكومات الغربية، وبشكل خاص الولايات المتحدة وفرنسا، في إعلان تأييدها لما جرى من أحداث سياسية، على الرغم من أن بعض الحكومات التي جرى إسقاطها، كانت حتى لحظة السقوط في عداد حلفاء تلك الحكومات، وترتبط معها بمعاهدات عسكرية وأمنية.

وثاني تلك الملاحظات أن مسمى الربيع العربي ذاته، يحمل شبهة علاقة ما جرى بالتخطيط الغربي. فهو يعيد إلى الذاكرة، ربيع بودابست، وربيع براغ، وربيع أوروبا الشرقية، والثورات الزرقاء التي عمت بلدان الكتلة الاشتراكية، بعد السقوط المدوي للاتحاد السوفييتي. وحذرنا من أن تكون ثورات الشباب أحصنة طروادة، لتفتيت المفتت وتمزيق الممزق من الأقطار العربية. وكان الدافع الأساس إلى هذا التحذير، هو تحول الحركة الاحتجاجية في ليبيا وسوريا واليمن، من الحالة السلمية، إلى رفع السلاح، في وجه الدولة، كوسيلة لإسقاطها. وقد حدث بالفعل ما كنا نخشاه، حيث دُمرت مدن بأسرها، وذهب ضحية تلك الأحداث مئات الألوف من القتلى والجرحى، وتسببت في هجرة أكثر من خمسة وعشرين مليون عربي، عن أماكن سكنهم وأوطانهم.

والواقع أن القراءة الموضوعية والمتأنية لتلك الأحداث، تجعل من الصعوبة التنبؤ بمآلات أخرى، غير ما انتهت إليه. فقد اتسمت الحركة الاحتجاجية بملامح الحركات العفوية، المفتقرة إلى التنظيم السياسي. وكان ذلك أمراً بديهياً في ظل تجريف العمل والفكر السياسيين في المنطقة العربية بأسرها. ولأن المقدمات جاءت خاوية وبائسة، فإنه من الطبيعي أن تكون النتائج متماهية مع تلك المقدمات.

الملمح الثالث لـ «الربيع العربي»، هو أن القوى التي قفزت إلى السلطة في البلدان التي تمكنت فيها الحركة الاحتجاجية من إسقاط النظام هي جماعة «الإخوان» المسلمين، وهي أيضاً التي تصدرت مشاهد العنف والإرهاب، في ليبيا وسوريا واليمن، وهي التي حصدت ثمار تغيير نظامي مبارك في مصر، وزين العابدين بن علي في تونس.

الأمور في مصر جرت سريعاً، لغير صالح «الإخوان»، حيث أعاد الجيش المصري ترتيب الأوضاع في 3 يوليو 2013، وأسقط حكومة محمد مرسي، ليُنهي بذلك فترة قصيرة من حكمهم، بما يتيح لهم التعلل بأن الفترة الزمنية القصيرة لم تمكّنهم من تغيير الأحوال الاقتصادية والاجتماعية لصالح الشعب المصري، لكن هذا التعلل لا ينسحب على حكم «الإخوان» في تونس الذي امتد قرابة عقد من الزمن، عاش فيها الشعب التونسي الفقر والجوع مصحوباً بالعنف والإرهاب والاستبداد.

التغيرات الكبرى تأتي استجابة لمصالح قوى اجتماعية واقتصادية، وتهدف إلى إحداث تغيرات جوهرية في مختلف البني والهياكل، بما يتماهى وحاجة التغيير. وفي البلدان العربية التي مرت بها رياح سموم الربيع العربي، «عشعشت» قوى الخراب والظلام، في مسميات «داعش» و«القاعدة» وجبهة «النصرة» وأسماء أخرى ما أنزل الله بها من سلطان. فكانت النتيجة الفشل الذريع لمشروع «الأخونة»، وهيمنة الفساد، ومراكمة التخلف، واستمرار الأوضاع الاقتصادية المزرية على ما كانت عليه قبل الأحداث؛ بل بصورة أكثر فداحة وفظاظة.

من تونس الخضراء كانت بداية رياح السموم، وفيها يكتب الفصل الأخير للرواية المعمّدة بالخراب والدم. فلعل القرارات الشجاعة التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيّد، بتجميد دور البرلمان، ونزع الحصانة الدبلوماسية عن أعضائه، وإقالة الحكومة التي يحتفظ فيها «الإخوان» بأغلبية المقاعد، تشكل خطوة إيجابية على طريق استعادة الدولة المدنية لدورها، وتجاوز تونس الشقيقة لأزماتها والسير بها في طريق التقدم والنهضة والبناء.