آخر تحديث: 30 / 11 / 2021م - 5:25 م

منتدى الثلاثاء الثقافي بناء ثقافة المستقبل

الدكتور حسن النعمي *

تاريخُ المنتدياتِ والصَّالوناتِ الثَّقافيةِ عريقٌ في التُّراثِ العربيّ يعود إلى العصرِ الأمويّ؛ حيثُ كانَ بلاطُ الخلافةِ مقرَّ إشعاعاتٍ ثقافيةٍ إلى جانب دورهِ السياسيّ، فضلاً عن الصَّالونات الخاصَّة التي عرفت فيما بعدُ مثل «صالون ولادة بنت المستكفي» واستمرَّ هذا التَّقليد عبرَ التَّاريخِ فشهدنا «صالونَ العقادِ» و«صالونَ مي زيادة» وغيرَها من الصَّالوناتِ الثقافيةِ.

وفي ثقافتنا المحليةِ ظهرت المنتدياتُ بوصفها ظاهرةً موازيةً للمؤسَّسات الرَّسمية التي استقطبت كثيراً من الوجوهِ الثَّقافيةِ، وجمعت بين جديةِ الطرحِ الثقافيّ وحميمةِ الأجواءِ بعيداً عن الأشكالِ التَّقليديةِ، ومن هذه المنتدياتِ «منتدى الثلاثاء الثقافيّ» الذي حرصَ عبرَ تاريخهِ الطَّويلِ الذي بلغَ العقدينِ على العملِ الثقافيّ النَّوعيّ.

ومنذُ عامينِ حظيتُ بدعوةِ «منتدى الثلاثاء الثقافي» إلى إلقاء محاضرةٍ نقديةٍ، وأذكرُ يومَها أنَّ المنتدى أعطاني حريةَ اختيارِ الموضوعِ وهذه تحسبُ له؛ إذ تُوجَّه الدَّعوةُ في منصَّاتٍ أخرى إلى موضوعٍ معيَّنٍ ممَّا يدخلك في مفاوضاتٍ معها؛ حتَّى تتوصَّلَ إلى اتفاقٍ يُرضي الطَّرفينِ.

اخترتُ أن أتحدَّثَ عن «تنازع المكانة بين الشعر والسَّرد»، ولا أخفيكم أني تخوفتُ أن يكونَ الموضوعُ نخبوياً وفوق مستوى جمهور المنتدى، لكني وضعتُ في الحسبانِ أهميَّة الموضوعِ بالنسبة إليَّ، والأثرَ الذي قد يُحدثهُ فيمن يحضرُ اللقاءَ.

لم يبدأ اللقاءُ كما هو معتادٌ، بل كان للملتقى طريقةٌ أحسبها موفقةً إلى حدٍ بعيدٍ، وهي تكريم النَّابغين من أبناءِ المنطقةِ، والاستماعُ إلى ما يقولهُ عن نفسهِ وما برعَ فيهِ في مجالٍ من المجالاتِ العلميةِ أو الثقافيةِ الأدبيةِ.

بعدَ ذلكَ دعيت إلى المنصة، وكنتُ وأنا أقدّمُ الموضوع أتفرَّسُ في الوجوهِ لعلي أستكشفُ ردَّاتِ فعلها، لم أرَ إلا إنصاتاً تاماً، أنهيتُ محاضرتي التي اعتبرتُها من العيارِ الثقيلِ موضوعاً وطولاً،

والمفاجأة كانت في سيلِ الأسئلةِ التي انهمرت تناقشُ وتسألُ وتطرحُ رؤى معاكسةً أو مؤيدةً، لا أخفيكم فرحي؛ لأنَّ هذا يعني أنَّ محاضرتي أثارت نقاشاً وحرَّكت في نفوسِ الحاضرينَ قلقَ الأسئلةِ.

وما زلتُ أعتبرُ جمهورَ ذلكَ المساءِ من نخبةِ النخبةِ وعياً وفكراً، ولعلَّ تميز «منتدى الثلاثاء الثقافي» قد اكتسبَ شهرةً من نوعيةِ جمهورهِ المثقَّفِ والجادّ والاستثنائيّ.

تابعتُ أنشطةَ «منتدى الثلاثاء الثقافي» بعدَ ذلكَ فوجدتهُ منفتحاً على كلّ التَّياراتِ الفكريةِ، والقضايا التي تهمُّ المجتمعَ، وتصحُّ في حقهِ كلمة «منتدى» إذ يتوقَّعُ الحضورُ دوماً كلَّ مختلفٍ وجديدٍ، تتجدَّد طروحاتُ المنتدى بتجدُّد توجُّهاتهِ ومتابعةِ الحراكِ الاجتماعيّ والثقافيّ في المملكةِ العربيَّةِ السُّعوديَّةِ.

أهمُّ ما عرفتُ عن «منتدى الثلاثاء الثقافي» أنهُ يعملُ بشكلٍ مؤسَّسيّ، ففي كلّ عامٍ أو عامينِ تشكَّل إدارةٌ لتنظيمِ أعمالهِ، وتجديدِ رؤاهِ، وبناءِ قاعدةٍ مختلفةٍ من الموضوعاتِ والاستضافاتِ، وكلُّ اسمٍ يستقطبُ إلى «منتدى الثلاثاء الثقافي» يكون ضمن خطةٍ عامةٍ، وليس مجاملةً أو ملء فراغٍ كيفما اتفقَ.

ولذلك أراهنُ على مستقبل «منتدى الثلاثاء الثقافي» للانفتاحِ أكثر على جيلِ الشَّبابِ وثقافتِهم وهم يشكلونَ شريحةً كبيرةً لها تطلُّعاتُها وانفتاحُها على العالمِ. فمنتدى الثلاثاء الثقافي بحيويته وعمله المؤسسي قادر على استيعاب الشباب، ووضعهم في قلب المشهد الثقافي. ولعل منتدى الثلاثاء الثقافي يقوم في هذا المجال بمبادرات خلاقة تؤسس لوعي عام بين شباب المنطقة الشرقية من خلال توقيع برتوكول ثقافي مع وزارة التعليم ومركز الملك عبد العزيز الثقافي «إثراء»، وغيرها من المؤسسات الثقافية والاجتماعية. ويمكن استضافة نخبة من الشباب واستيعاب حواراتهم وأسئلتهم من أجل تعزيز الثقة بهم. وهذا هو المأمول من المؤسسات الثقافية ومن بينها منتدى الثلاثاء الثقافي في مد جسور التلاقي بين جيل الشباب وقطاعات الثقافة المختلفة.

قاص وناقد، أستاذ الأدب الحديث ونظرية الأدب بجامعة الملك عبد العزيز