آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

ليلة من ليالي الكورونا العشرين

داهمتني في غفلة لا أدري كيف ولا متى، صرت بين ليلة وضحاها هيكلا عظميا يمشي على الأرض، فجأة أنام ودون مقدمات أستيقظ لأجلس، لا حراك ولا طعم لا للنوم ولا للاستيقاظ، الهيكل العظمي يحبو من غرفة العزل لا يعلم أين يذهب؟ وفجأة يسقط.. أنا الهيكل العظمي في الصالة، وامرأة حزينة تركض خلفي تناديني: ماذا تريد؟ قل.. لا تتعب نفسك. آه صرت بلا سمع، ركزت أحاول استجلاء الصوت، إنها زوجتي ولكني لا أحس بشيء، سقطت على إحدى الكنبات.

ماء.. أريد ماء.. من أين يخرج الصوت؟ هل خرج أصلا؟ من رأسي أو يديّ أو قدميّ أم من الجسد كله، كأني غيمة شتوية تاهت في الصيف تريد أن تفرغ حمولتها المائية. يومان دون أكل، زوجتي تتوسل لي أن اتناول أي شيء، تمر، تفاح، سلطة، زبادي مطحون فيه ثوم، عصير برتقال، شراب زنجبيل، كركم، المهم أن يدخل شيء للجسد، بينما أنا لا أسمع لا أرى لا أتكلم، صرخت زوجتي بصوت عال جدا.. بعد ستة وعشرين عاما من الزواج لأول مرة أسمع صوت زوجتي بهذه القوة والحدة والألم، تناديني:

حسين

حسين رد عليّ

ضربتني على صدري بشكل قوي، ضربة كأنها صاعقة كهربائية، ضربتني ولا تزال تصرخ أرعبتني..

رد عليّ حسين أرجوك

بالكاد فتحت عيني ولم أستطع فتح فمي حتى أقول لها ما زالت حيا.. أدخلت شيئا ما في فمي ”عرفت فيما بعد أنه تمر“ ولا أعلم هل انصهر لوحده أم دخل جسدي ليخبر المعدة أن صاحبها تعبان.

وضعت زوجتي على رأسي كمادات، تقول إن حرارتي في صراع مع الأربعين إن لم يكن أكثر، دار رأسي فجأة صرخت أريد برميل القمامة الصغير فقد حان أن أتقيأ، تخيل أنك تريد تنظيف برميل وهو في الأساس خالي من أي شيء، هكذا كنت، أريد أن أتقيأ ومعدتي فارغة تماما. صرخت أكثر من مرة مع كل محاولة تقيؤ، يخرج سائل لا أعلم ما هو.

على صوتها على صوت معدتي الفارغة استيقظ أبنائي، كان الوقت قرب أذان الفجر، وقف الأبناء الثلاثة أمامي يراقبون أمهم التي كانت ترفض أن يروني في حالة ضعف مهما كانت الظروف، لكني أشرت إليها أن تغطيني جيدا فلا يظهر إلا وجهي، وأن تسمح للأولاد بالدخول، ابني الكبير يضع يده على وجه يريد أن يقول شيئا، أن يقدم شيئا ولكن ليس بيده شيء، هل تريد الذهاب للمستشفى أبي، أحمد الابن الذي يمتلك القدرة على إخفاء مشاعره ”أبي أرجوك حاول أن تأكل، صعب أن تستمر هكذا مع كل الألم ومعدتك فارغة، لا تمضغ فقط ابلع أرجوك يا أبي“.

ابنتي المحامية تقف شاحبة الوجه خائفة، تضع على رأسها شال من القطيفة لا أعلم السبب أني تذكرت أنها هدية من صديقي الشاعر المصري محمد الحمامصي، وكأني أراه وهو يزور الإمام الحسين ويرفع يده بالدعاء لي، حيث يزور كل يوم خميس الإمام الحسين في القاهرة، كما مرت سلسلة من الصورة لأصدقاء منهم الناقد والروائي عيد الناصر ”أبو جهاد“ كان يتصل بي ويعطيني النصائح والتوجيهات وأن أكون قويا كما يعرفني، أبو جهاد هو أحد ملائكة الأرض، صديق العمر حسين العلق الذي كان خائفا ويريد أن يكون قويا عندما يتصل بي أفكر ماذا سيكتب عني لو....

الأخ الكبير نادر السيف تشعر بالاطمئنان وهو يحدثك بصوته الجليل.. صديقي الذي لا أستطيع أن أراه إلا مبتسم جعفر البحراني يتصل بي أكثر من مرة في اليوم ويردد أنت أفضل اليوم. محسن شلي أنقذ معدتي وأعطاني طريقة الهضم السريع. ابن الخالة علي سالم الذي كان يرسل رسالة صوتية يوميا كن قويا لا تخف. حسين ابن الخالة الذي أعرفه من الطفولة قوي ستعود أقوي من قبل فقط توكل على الله وتابع التعليمات لا تستسلم لانعدام الشهية أنت أقوي منها والقاص والناقد السيد الوكيل الذي يضع صورة على صفحته بالفيسبوك وهو يضع يده تحت خده، تذكرته وهو يكتب لي ”عزيزي حسين طمني عليك.. أكتب أي رد.. فقط أريد أن أطمئن عليك.. تماسك ولا تضعف يا صديقي“، أيضا الأخت ميرفت وهي تتمنى لي الشفاء، القاص جمال بربري يسأل عني، الروائية آني الصافي ترسل لي تسجيل صوتي على الواتس أب تسأل عني، تشجعني وتقول ”أخي حسين أتمنى لك الشفاء من المرض اللعين“، ورسائل مكتوبة وصوتية من العالم العربي، لا أعلم والألم يضربني ولا يرحم، والعطش والجوع يتحدان ضدي. ابتسمت أمام استغراب زوجتي وأولادي، سؤال الأصدقاء من العالم العربي جعلني أشعر أني مواطن عربي محترم.

فجأة شيء من القوة تسلل إلى الهيكل العظمي، استأذنت أولادي، تحركت نحو الحمام غسلت زوجتي وجهي، قمت بالوضوء ووقف الهيكل العظمي ليؤدي صلاة الفجر.