آخر تحديث: 2 / 12 / 2021م - 8:49 ص

وجوه لا تنسى/ الروحاني الذي يخاف قتل نملة ”الملا مهدي العوى“

حسن محمد آل ناصر *

لكل جيل ذكريات قد تختلف مراحل الذاكرة من ظرف لظروف ووقائع كثيرة، أنا الآن أسمع صوت المطر بكل أبعاد معانيه ”الهَزِيم، الجوَرٌّ، الجلجل، الرز“ وأشم رائحة طين الأرض المختلطة بماء المطر، تعود بي ذاكرتي لتلك ”المخدات والدواشق“ المساند والمفارش ورائحتها الرائعة حينما تختلط بماء المطر في حسينية العوى التي تعتبر من اقدم الحسنيات بحي المدني بالقطيف.

هذا الحي المتوسط بحجمه مقارنة بغيره الأحياء السكنية الأخرى يحده من الغرب سوق الخميس وشرقا حي الجراري وحي مياس جنوبا وحي الوسادة شمالا، لا أعلم بالضبط ما سبب تسميته بهذا الاسم إلا أن الكلمة مشتقة من المدينة لكون الساكن بها متمدن أو مدني.

هنا في هذا الحي الجميل بأهله عاش رجل مؤمن «الملا مهدي العوى» لديه يد في بعض العلوم الروحانية المفيدة، كان له وقع شديد لأهل البيت ومجلسه لا يخلو من التعزية لا سيما في ليالي الجمع، ورث عن أبية منزل وحسينية في الحي المذكور.

التقيته لأول مرة في شهر محرم مع والدي حفظه الله حيث كان يقرأ عنده ليالي عاشوراء الحسين ، وما أجمل هذا الإنسان خَلق وخُلق، إنسان بمعنى الكلمة وروح عالية وشريفة، رجل ورع لا يغتاب أحد ولم ينتقص من أحد وكان متواضعا كريما مجلسه مفتوح في معظم الأوقات يستقبل من يأتي إليه.

الحاج الملا مهدي بن الملا عبدالله بن محمد بن سلمان العوى القطيفي الحريفي ولد عام 1346 هجري، نسبة الحريفي أخذ من حي الحريف احدى احياء القطيف القديمة الذي اشتهر بالجبل قريبا من بلدة القديح والبحاري، سكن في حي المدارس ذاك الحي المشتهر بالعلماء ”ذكرته في مقال سابق“، تعلم في الكّتاب ثم التحق بشركة ارامكو السعودية فترة قليلة وعمل كاتبا لدى تجار القطيف وزاول العمل بحملدار مع أخية «أحمد العوى» الشاعر المعروف ”كتبت عنه مقال مطول“، ومارس التجارة «البيع والشراء» فترة ما ثم تركها.

كما ذكرت سابقا لقد ورث من ابيه الحسينية وقام بإحيائها على نفقته الخاصة خمسين سنة حيث كانت له كل ليلة جمعة «عادة» يحيي ويقيم بها مراثي ومواليد أهل البيت ، وكذلك الأحياء الدائم لأشهر محرم وصفر ورمضان وبقية أشهر السنة، كثير الولع بذكر وتعزية الحسين .

كان محبوبا جدا يقصده بعض العلماء والفضلاء وله علاقات قوية واجتماعية معهم ومنهم العلامة الشيخ فرج العمران رحمه الله «1321 1398 ه» يأتي ليلة الجمعة ويحتفل بدعاء كميل والزيارة الجامعة ثم القراءة ثم تعليم الأحكام الشرعية، وكان ايضا ملازما للعلامة الشيخ محمد تقي المعتوق رحمه الله «1336 1358 ه» حيث يقضي معه مدة طويلة قرابة العشرين سنة تقريبا يجالسه لأكثر من ساعتين بمنزله أو بالحسينية أو بدكانه ”بقالة“ كل يوم، وكذلك المرحوم الشيخ إبراهيم الغراش «1361 1436 ه»، الشيخ محمد حسن المرهون رحمه الله «1344 1425 ه»، والخطيب الحسيني صادق الشيخ منصور المرهون «1347 1424 ه» وملا على الطويل رحمه الله «1434 ه»، ووالدي الخطيب الحسيني محمد علي آل ناصر حفظه الله «1359 ه»، وكثير من خطباء القطيف واهل الفضل ووجهاء القطيف، مع انه كان على حافة الفقر ولكنه مقصد الفقراء الأرامل واليتامى واذا اتاه فقير يعطيه دون تردد وان كان لا يملك الا القليل فلا يرد أحدا ابدا وقد تكفل ببعض اليتامى ذو صلة رحم به إلى أن صلح حالهم.

درس كالكثير من جيله في ”الكّتاب“ وعند ابيه في بعض العلوم الروحانية المفيدة «الرقية الشرعية» وبعض الفوائد التي اشتهر بها في جميع مناطق المملكة وخاصة القطيف وصفوى وسيهات وعنك والاحساء والرياض، لديه فتوى بجواز عمله من المرجع الديني عندئذ آية الله السيد محسن الحكيم «1889 - 1970» قدس سره، وعمل ايضا بقراءة النسخة ”الفخري“ وقراءة المواليد والتصديقة ”مجموعة مواعظ عن الحياة والموت“.

اكثر ما اشتهر بالروحانية وفك الفال ومئات الناس استفادوا منه رحمة الله عليه، كان من الرجال الورعين الزاهد بالحياة، من شدة خوفه من الله عز وجل كان اذا تعرض لقرص حشره أو نملة لا يقتلها بل على العكس من ذلك ينتشلها ويلتقطها بتئني ويخرجها بالخارج أو يضعها في أي حوض للزراعة.

تزوج ثلاث زوجات وانجب أربع بنات وعشرة ذكور من أولاده ملا أحمد صالح، والمرحوم الحاج عبدالله، ومحمد ميرزا، والحاج حسن، والحاج علي، والاستاذ ملا ابراهيم، والحاج حسين، وقاسم، وصالح، واحمد، وبناته: أم علي بن حسن المخرق، ام جعفر بن عادل الصفار، أم حسن بن علي العصفور، أم حسن بن علي البشراوي.

توفي في 27 صفر 1419 هجري في كربلاء المشرفة ودفن في مقبرتها المباركة.