آخر تحديث: 2 / 12 / 2021م - 8:49 ص

دول النزيف العربي

حبيب محمود * صحيفة الشرق

بكلّ ما أعرف عن نفسي من نرجسيّة واعتداد؛ أضعني في الصفّ الواقف ضدّ ما يُنعتُ بـ «الربيع العربي». لن أغشّ نفسي ولن أكذب على أحد في شرح أسبابي الذاتية المحضة، وأعرف أن هناك مَن هو مستعدٌّ لرميي بما يشاء من ضروب التصنيف السياسي.

سببي الذاتي هو أن الربيع العربي حرمني نشر عمل روائيّ يتحدث عني. وقد جرّبتُ ونشرتُ نتفاً منه؛ فكانت ردة الفعل أسوأ مما توقّعتُ. ولو نشرت العمل الذي يحمل عنوان «كشوانية رقم 7»، لكانت ردة الفعل أشدّ وأنكى. ولو كنتُ أعلم بأن العرب على موعد مع ربيعٍ من الفوضى والخراب لنشرته قبل سنوات.. ولكنني بشر ينتمي إلى «الفرقة الكسولة» التي تؤجل الحلول إلى آخر ربع ساعة متاحة..!

السبب الذاتي الآخر هو أنني متورط في عقدة «المؤامرة»، وهي العقدة ذاتها التي قالت لي إن «الثورة العربية الكُبرى» في السنوات الأولى من القرن الماضي لم تكن أكثر من «ثورة غربية كُبرى»، وقد قامت تلك الثورة على أساس وضع مناطق نزاع مستمرّة بين «الدول» العربية. أما «الربيع العربي»؛ فهو قائم على أساس وضع مناطق «توتر» مستمرة داخل كل دولة على حدة. ومثلما ضمن الغرب صراعاً عربياً بين دوله على امتداد قرن تقريباً؛ فإنه سوف يضمن صراعاً أشدّ شراسة ونكاية داخل كلّ دولة لقرن قادم.

وها نحن نشاهد دول «النزيف العربي» التي دخلت «الربيع» وقد صارت دولَ تناحرٍ داخلي شرس، لم تنفع معه صناديق الاقتراع ولا بشارات الديمقراطية المصطنعة ولا أحلام «حقوق الإنسان».

كل ما في الأمر هو حروب هيمنة جديدة، تُديرها أطماع استعمارية جديدة، تُشغل الشعوب العربية بحروبها الصغيرة، ليتحوّل الأمر كما قال عمّنا عبدالله البردوني:

ترقّى العارُ من بيعٍ

إلى بيعٍ بلا ثمنِ

ومن مستعمرٍ غازٍ

إلى مستعمر وطني