آخر تحديث: 23 / 10 / 2021م - 6:59 ص

التكامل الاقتصادي العربي

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

تأثرت مواقف الحركة القومية العربية، بالتجارب القومية الأوروبية، وبشكل خاص التجربة الألمانية. ويبرز ذلك بوضوح في الأدبيات والكتب التي نشرها المفكرون العرب، من أمثال ساطع الحصري وقسطنطين زريق ومنيف الرزاز وميشيل عفلق وعصمت سيف الدولة. كان التركيز منصباً على المشروع السياسي لدولة الوحدة، مع إشارات عابرة إلى الوحدة الاقتصادية، باعتبارها جزءاً من المشروع القومي الشامل.

في حقبة ما بعد الاستقلال، وحتى نهاية الستينات من القرن الماضي، لم يجرِ الاهتمام بالوحدة الاقتصادية، بل كان التركيز على الوحدة الاندماجية الشاملة؛ ولذلك استمر الفكر الاقتصادي رديفاً للفكر السياسي، في التبشير بالوحدة العربية، وبالشعارات التي تزامنت مع مرحلة التحرر الوطني.

لم تبرز بشكل جدي فكرة قيام اتحاد عربي لا مركزي، إلا في مراحل متأخرة، بعد فشل التجارب والمواثيق الوحدوية. لقد كان الفكر الاقتصادي العربي، يرى في الوحدة الاندماجية، تماثلاً في الهياكل والأنظمة واللوائح. وكان ذلك ثغرة كبيرة في ذلك الفكر؛ لأن التطور التاريخي، وتجارب الوحدات السياسية، أوضحت أن نجاح التجارب القومية، هو رهن، بوضع خصوصيات الأقاليم، في الحسبان.

فليس بالإمكان، على سبيل المثال، التعامل مع الزراعة التي يجري ريها بمياه الأنهار، كتلك التي تعتمد في الري على المياه الفيضية. وبالمثل هناك الاختلال السكاني، والتباين الواسع بين الوفرة والندرة في مصادر الثروة. إن ذلك يعني أن ينطلق الفكر الاقتصادي من موقف علمي وتاريخي، يرى أن قوة الأمة ليست في الاندماج الكلي، بل في تحقيق التكامل الاقتصادي. وأن تكرّس الجهود هذا الفكر، في صياغة برامج عملية وتفصيلية لتحقيق هذا التكامل، بعد أن أثبتت التجربة التاريخية، نجاح المشاريع الاقتصادية التكاملية.

وإذا كان علينا في هذا السياق، أن نستفيد من التجارب التاريخية، لتجاوز الأزمة الراهنة، والدخول في علاقات عربية - عربية على أسس اقتصادية تكاملية راسخة، فإن التجربة الأوروبية، تبدو مثلاً حياً أمامنا.

لقد خاض الأوروبيون، في قلب القارة ومن حولها، حربين عالميتين مدمرتين، خسروا فيها ملايين الأرواح. ولم يكن لهم من سبيل لتخطي واقع الكراهية والبغضاء بينهم إلا بالوحدة. بما يعني أن مشكلة أوروبا هي مع نفسها، في الحربين العالميتين. وكانتا السبب في تراجع النفوذ الأوروبي في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

لقد أدت نتائج الحرب العالمية الثانية، إلى تراجع الدور الأوروبي، وانزياح دور الاستعمار التقليدي عن البلدان العربية. وشمول جميع بلدان أوروبا الغربية، بحماية المظلة العسكرية الأمريكية، وخضوعها لبرنامج إنعاش اقتصادي، عرف بمشروع مارشال. وقد وفرت هذه النتائح الأرضية الملائمة لانطلاق مشروع الوحدة الأوربية، بحيث وصلت في النهاية إلى ما هي عليه الآن.

وجد الأوروبيون في تحقيق الاتحاد فيما بينهم، إنقاذاً لأوروبا من حروبها مع ذاتها، وكان اختيار الفحم والصلب، قاعدة للانطلاق نحو وحدة القارة الأوروبية أمراً حيوياً وجوهرياً لإنجاح مشروع الوحدة. فالفحم والصلب هما عصب الصناعة العسكرية، ووضعهما تحت سلطة أوروبية مشتركة، يساعد كثيراً في تبديد مشاعر الخوف والقلق من عودة ألمانيا «العسكرية» إلى الواجهة. والألمان وجدوا في المشروع، فرصة تخلصهم من القيود التي فرضتها عليهم هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية.

وهكذا ارتبطت الوحدة الأوروبية، بمفهوم الضرورة التاريخية، دون ارتباط بعوامل التاريخ واللغة والثقافة. لقد كان المشروع براجماتياً منذ بدايته، ولم يكن معبأً بشحنات عاطفية. وقد جعل ذلك كل طرف من أطراف الشراكة الأوروبية يسعى للحصول على مكاسب أكبر، جراء عملية التوحيد. وذلك أمر طبيعي، ومتّسق مع نواميس الكون، وهو أيضاً أمر مشروع، حين لا يكون استئثاراً، أو تهميشاً لأدوار الشركاء الآخرين.

هذا الواقع ليس له ما يماثله في الوطن العربي، فالوحدة الاقتصادية والسوق المشتركة، لم تطرحا بقوة، كمقدمة لإنجاح المشروع الوحدوي العربي. والفكر الاقتصادي العربي، كما كتب عنه مفكرون عرب، مثل محمد لبيب شقير، وجلال أمين، واسماعيل صبري عبدالله، ويوسف صايغ، وأسامة عبدالرحمن، وعلي خليفة الكواري وغيرهم.. انطلق، في معالجة هذه القضايا من المنظور الشمولي للوحدة العربية الاندماجية. وليس على أساس اعتبار الاقتصاد مدخلاً رئيسياً للوحدة.

فالوحدة الاقتصادية، تعني تحقيق التكامل الاقتصادي، بما يُسهم في تحقيق قدر أعلى من الكفاءة والإنتاجية، وذلك هو جوهر التنمية. والاقتصاد، هو الأكثر دقة، بين العلوم الاجتماعية. وذلك ما يتكفل بدحض التصور السائد، بأن الإيمان بالوحدة، هو مجرد توق معنوي إلى تاريخ وثقافة، وتواصل بل ضرورة حضارية، وذلك ما ينفي عن دعاة الوحدة، تهمة الرومانسية والطوباوية.