آخر تحديث: 30 / 11 / 2021م - 6:39 م

الإعلام ”القوة الخفية“

حسن عبد النبي *

”عامة الشعب لا يعرفون ما يجري، ولا يعرفون حتى أنهم لا يعرفون“ - نعوم تشومسكي

لاشك أن الإعلام يلعب دوراً هو أكبر مما كان عليه في أي وقت مضى من حياتنا، ولا تزال وسائل الإعلام تنمو وتتطور وهذا كله يؤثر طرديا على حياة الفرد وتشكيل قناعاته. الإعلام يلعب دورًا محوريًا في إيصال الجمهور بما يحدث في العالم وذلك يؤثر في تشكيل معتقدات الفرد ومواقفه. أعتقد أن البيئة التي أوجدها الإعلام مثالية لتسهيل السيطرة على آراء الجمهور بمهارة ودون أن نلاحظها. لا يمكننا تجاهل الإنترنت وخدماته العظيمة للعالم وما أحدثه من نقلة نوعية ونشر الديموقراطية، لكن الطرق التي نتفاعل بها مع هذه الأدوات بالإضافة الى الغرض التي صممت له لا تعزز التقدم أبدًا.

ما كل ما يُقال في الإعلام حقيقة يجب التسليم بها، هناك أجندة ومخططات تُمّرر عبر مواد اعلامية متنوعة لها دور بارز في تشكيل الرأي العام وتكوينه. تغيير عقلية الناس لتكون أكثر تساهلاً مهمة صعبة للغاية في ظاهرها، لكن الإعلام جعلها أسهل مما نتوقع لما يمتلكه من قوة خارقة منها يستطيع التحكم والتأثير على تفكيرنا، تصرفاتنا والطريقة التي نعيش بها. المفكر الأمريكي الكبير ”نعوم تشومسكي“ كشف لنا عن عشر استراتيجيات بها استطاع الإعلام السيطرة على الشعوب. استند تشومسكي فيها إلى ”وثيقة سريّة للغاية“ يعود تاريخها إلى عام 1979م، والتي تحمل عنوان ”الأسلحة الصّامتة لخوض حرب هادئة“، هي:

1 - استراتيجية الإلهاء: ومضمونها تحويل انتباه الشعب من مشاكله الحقيقية إلى قضايا ومسائل تافهة، حيث يبقى الجمهور مشغولا دون أن يكون لديه وقت للتفكير. يتم ذلك عبر وابل متواصل من الإلهاءات التي تعمل على تشتيت الرأي العام فتجعله في حالة انشغال دائم، كالمهرجانات وكرة القدم والفن الهابط.

2 - خلق مشكلة لتُنتج حل مخطط له: تستخدم هذه الاستراتيجة عندما تريد حكومة ما تمرير قرارات معينة، قد لا تحظى بالقبول الشعبي إلا في حضور أزمة تجعل الشعب أنفسهم يطالبون باتخاذ تلك القرارات لحل الأزمة، وتعرف بطريقة «المشكلة - رد الفعل - الحل». كاختلاق أزمة اقتصادية تجعل الشعب يطالب بحلها ولو عن طريق رفع الأسعار.

3 - التدرّج: ومضمونها أن الشعب يمكن أن يقبل تطبيق أي سياسة تدريجيا على خلاف تطبيقها دفعة واحدة، حيث يمكن أن تؤدي إلى ردة فعل شعبية قوية لو تم تطبيقها دفعة واحدة.

4 - التأجيل: فمن الأسهل أن يتقبل الشعب قرارًا مستقبليًا على أن يتقبل قرارًا فوريًا، وهنا يشير تشومسكى إلى ان أحد طرق تمرير قرار غير مقبول شعبيا، هو تقديمه على أنه ”شر لابد منه“. كإصدار قرار مستقبلي مع وقف تنفيذه حتى تتم تهيئة الشارع لتنفيذه بعد إيهام الجمهور أن المستقبل أفضل.

5 - تسخيف الفكر: هنا تستخدم معظم البرامج والمسلسلات الموجَّهة لعامة الشعب خطبا وحججا وشخصيات ذات نبرة طفولية وسطحية لتغلب السطحية على قرارات الجمهور كردة فعل طبيعية لمستوى التخاطب.

6 - اللعب على وتر العاطفة: قد تتغلب العاطفة على العقل في كثير من الأحيان عند العديد من البشر وهذا ما تستفيد منه وسائل الإعلام من خلال استخدام سلاح العاطفة كالتحدث عن الانتماء أو الدين أو العادات التي يمتلك الناس التزاما عميقا اتجاهها، فيدخل الأفراد في حالة من اللاوعي وعدم التفكير إذا ما تم التعدي على أي من هذه المعتقدات التي تثير عندهم المخاوف والانفعالات.

7 - إبقاء الشعب في حالة من الجهل: والغرض من ذلك هو خلق هوة معرفية تفصل بين طبقات الشعب فتكون نوعية التعليم الموجه للغالبية الساحقة تعليما سطحيا خاليا من أي فكر للحفاظ على الهوة المعرفية بين طبقة النخبة وعامة الشعب. وهذه من الركائز التي يعتمد عليها النظام الاقتصادي الرأسمالي.

8 - تشجيع الشعب على تقبل الجهل: ومضمونها إيهام الجمهور على أنه من الطبيعي أن يكون جاهلاً. هذه النقطة مهمة للغاية إذ يجب التأكيد أن وسائل الإعلام هي المسؤولة بشكل كبير عن تدهور مستوى الذوق الثقافي العام. هذا التدهور محفز على الجهل والشذوذ الجنسي والعنف وارتكاب الجريمة وتدهور الممتلكات الفردية وفي الوقت نفسه هي تشجع الجمهور على القبول به عبر رسائل كامنة متكررة تتغلغل في عقل الفرد وتجعله يرى أنه هكذا يجب أن تكون الأشياء.

9 - لوم الذات: مضمونها إيهام الفرد بأنه السبب في المشاكل والأزمات الخاصة والعامة، وذلك بسبب كسله. وبهذا فإنه بدلا من أن يتحرك للتغيير ينغمس في الشعور بالتدني الذاتي، والذي يؤدي لحالة من الاكتئاب تحبط أي محاولة للفعل لديه.

10 - معرفة الأشخاص أكثر مما يعرفون أنفسهم: مع تطور الوسائل التكنولوجية وتطور مجال العلوم اقتصر تحصيلها لطبقة معينة ومحددة من المجتمع وأصبحوا يتحكمون بالأفراد في المجتمع بشكل أكبر، حيث يتحكمون بمعلومات تجعلهم يتعرفون على الأشخاص أكثر من معرفتهم لذواتهم.

بعد الاطلاع على هذة الاستراتيجيات ورغماً عن قدم عمر ظهورها، إلا أننا نستطيع الجزم بأنها تنطبق على واقعنا العالمي حاليا. حيث جاء الإعلام الحديث بأدواته تحت مسمى وسائل الاعلام الاجتماعي منتهجاً سُبله القديمة وحاملاً لنفس الأفكار والأهداف بثوبٍ إلكتروني جميل أدى لقبول ورواج هائل انتشر كالنار في الهشيم بين أفراد مجتمعات العصر الحديث. حيث كشفت مجموعة جديدة من الدراسات من جامعة أكسفورد عن استخدام وسائل الاعلام الاجتماعي للتلاعب بالرأي العام حول العالم. ففي روسيا وجدوا حوالي 45٪ من حسابات تويتر النشطة للغاية هي حسابات وهمية. وفي تايوان اكتشف من حملة كانت ضد الرئيس تساي إنغ - ان الآلاف من الحسابات النشطة والمتفاعلة مع الحملة معظمها وهمية وتدار من الخارج، نتائج الدراسات أظهرت أن وسائل التواصل الاجتماعي هي ساحة معركة دولية للسياسة القذرة. فكم من بيئه خُلقت فيها الصراعات، وغُرست بذور الشقاق والخلاف بين تيارات مجتمعها لإبقاء الناس مشغولين بعيدًا عن واقعهم الحقيقي من ظلم وفشل وفساد؟ وكم.. وكم.. وكم.

عزيزي القارئ: إن أردنا أن نقاوم هذا التحكم، لابد أن نتمتع بالوعي الكافي، وهذا الوعي لن يكون إلا عبر الإطلاع والنقاش، عبر البحث والقراءة، والتخلص من كل رديء. يجب أن نحافظ على اليقظة والوعي بشكل كبير وأن نكون جائعين للحقيقة أينما نجدها. نحن بحاجة إلى توخي الحذر لتجنب الوصول إلى استنتاجات متسرعة لمجرد أن ”فلان“ يقول ذلك. إنها رحلة فردية إلى حد كبير وهي مهمة عظيمة لكنها مليئة بحقول الألغام. لنصرف جزء من مقدار الجهد المبذول في البحث عن الأطعمة وقطع الملابس في البحث والتقصي وأن أن لا نسمح لأي فكرة بالسكون في أذهاننا قبل التحقق منها. لا داعي للخجل من الإستشكال والاستفهام عن كل ما يطرح إعلاميا فلكل منا الحق بالاستقلالية بالرأي وبالاستعلام والتحقق والمناقشة لكل مايطرح والتفكير العميق في كل مايحدث قبل إطلاق الأحكام النهائية وأن لا يكون مجرد وعاء يملأ بالغث والسمين.