آخر تحديث: 6 / 12 / 2021م - 11:52 م

المباحف..!

حبيب محمود * صحيفة الشرق

المرة الأولى التي سمعتُ فيها كلمة «مباحث»، كانت على لسان أمّي، رحمها الله. وقد نطقت الكلمة باللهجة الدارجة تماماً «المباحفْ». ونحن - في القطيف - ننطق الثاءَ فاءً؛ فنقول «افنين وفلافة وفـَمانية وفور وفَريد» ونقصد بذلك «اثنين وثلاثة وثمانية وثور وثريد».. وهكذا..!

كان ذلك في منتصف سبعينيات القرن الماضي، حين كنا نعيش في بيت «عشيش» ضمن منطقة بساتين اسمها «المنصوري» بين بلدتي القديح والعوامية. كنتُ ابن سبع أو «فماني» سنوات. وجاءت كلمتها «لا ياْخْدُوكْ المباحف» بعد أن سمعت مني كلاماً يُمكن تفسيره - اليوم - بأنه كلام طائفي..! وقد خفت من «المباحفْ» مذ ذاك، ولم أفهم كلام أمي إلا بعد سنوات طويلة حين عرفت أن «المباحف» كانت مشغولة بملاحقة الشيوعيين و«البعفيين»، في تلك الفترة.

حين مرّ عام 1400 سيئ الصيت؛ خفتُ من المباحفْ «أكفر»، وجدّتي «أم ضيف»، رحمها الله، خوّفتنا «أكفر وأكفر»، وظنّت أن شقيقي الأكبر سوف تأخذه المباحف كما أخذتْ غيره. وبلغ خوفها حدّاً يُضحكني «كفيراً» كلما تذكرته. أخذتنا كلّنا وسافرت بنا إلى العراق إلى أن تهدأ الأوضاع. فكان «فمَنُ» ذلك خسارتي وشقيقتي الكبرى عاماً دراسياً كاملاً. أقمنا في العراق قُرابة «فمانية» أشهر، وحين عدنا؛ صرتُ «أتحدف» اللهجة العراقية باحتراف..!

في كربلاء العراق؛ عرفنا «شغل المباحف» الحقيقي الذي لايشبهه أي «شغل» استخباراتي عربي آخر. كنا نراهم، بأعيننا، يدهمون المنزل ويقتلعون الأسرة كلها بملابسها التي عليها، ويزجّون بها في شاحنة مكتظة بأسر عراقية أخرى أمام الناس. «فُمّ» يرمون بهم جميعاً عند منفذ «المنذرية» العراقي المقابل لمنفذ «كسروي» الإيراني. وهذا «التهجير» الإجباري المبرمج أرحم «بكفير» من زنازين التعذيب التي ما أنزل الله بها من رحمة.

وللصراحة؛ فإن «مباحفنا» أفضل من «مباحفهم» بمراحل. مباحفنا يطرقون الأبواب، ويدخلون المنازل بإذن، و» يعتقلون» المطلوب وحده، ويُمكن خداعهم أيضاً بإيواء المطلوب في غرفة «الحريم».