آخر تحديث: 2 / 12 / 2021م - 8:49 ص

حقوق وحُلوق.. وإنسان

حبيب محمود * صحيفة الشرق السعودية

بعد أن أمضينا أياماً «نتلقّن» في بلاد أعمام «حقوق الإنسان»، أعني جنيفَ المزدحمة بالحقوقيين والحُلُوقيين؛ اقترحوا علينا يوماً سياحياً في إيطاليا. ومن «غبشة الغبّاش»، كما تقول جدّتي، طرنا في القطار إلى ميلانو. وفي تلك المدينة المكتنزة بالتاريخ والثقافة؛ مشيناً لساعات أكثر مما مشى بعضنا شهراً كاملاً في بلاده..!

وبعد إنهاكٍ؛ دخل بعضنا محلاً، لكنني وقريبة لي وصديقتها فضلنا الانتظار عند حافة المتجر. وبينا نحن كذلك؛ وإذا ببائعة «دونات» تلوح على بُعد خطوات. فقرّرت قريبتي أن «تعزم» ابن خالتها وصديقتها على تلك الدونات الإيطالية. فلبّيتُ الدعوةَ شاكراً.

تناولت قريبتي «الدونات» الساخنة من البائعة وناولتنا إياها. وحين أرادت المحاسبة؛ لم تمدّ يدها بالمال إلى البائعة، بل أعطتنيه لأعطيه البائعة..!

كان مشهداً شاذّاً بالمقاييس الأوروبية، وصادماً بمقاييسنا نحن. فبعد أيام من ورش التدريب وحضور مباني الأمم المتحدة، ومقابلة حقوقيين وحُلوقيين، والبحث والتلقين في الاتفاقيات وحقوق الطفل والمرأة.. بعد هذا كله؛ تُعطي رجلاً الحساب ليُعطيه - بدوره - بائعة دونات..!

حدث ذلك؛ وكأننا كنا ندرس شيئاً لانعرفه ولانريد أن نعرفه إلا من أجل خوض الامتحانات والنجاح الشكلي. ولا غرابة في أن يهتمّ أحدنا بتوجه ما؛ ثم يكتشف أنه غافل عن أساسيات فيه، ومن دون أن يشعر يخالف حتى ما هو يرى أنه مؤمن به وسائرٌ فيه سبيله.

قريبتي امرأة ذات شخصية قوية، ومهتمة بحقوق الإنسان اهتماماً صادقاً. لكنها؛ نسيت - ببساطة - كل ذلك وجعلت بينها وبين بائعة دونات رجلاً يدفع الحساب.