آخر تحديث: 2 / 12 / 2021م - 8:49 ص

بعيداً عن الدعاية الخيرية

حبيب محمود * صحيفة الشرق السعودية

منذ نشرت «الشرق» قضية المواطن الدوسري الذي عقّه أبناؤه وسلبوه أملاكه؛ وهو مواظب على تفقد قضية الرجل. في اليوم الأول جاء بخمسين ألف ريال تبرعاً منه للأب المنكوب. وحين أبى الدوسري المبلغ؛ تأبَّط المتبرِّع المبلغ وصار يبحث عن محامٍ يترافع عن الرجل المسكين.

ويكاد لا يمرُّ يومان إلا ويتصل متفقداً وضع الرجل. هذا عدا تردده على حي الثقبة بحثاً عن الرجل. كل هذا الحرص والرجل شدَّد منذ أن دخل الجريدة للمرة الأولى على ألا يظهر له اسم، ولا يُشار إلى هويته بأي شكل من الأشكال. آخرها عصر أمس حين قابلته في أمر آخر؛ كان الدوسري حاضراً بيننا، وموقف الرجل أشدُّ حضوراً.

من المؤكد أن فاعلي الخير موجودون في كل مكان، وهم يتلذذون بمساعدة الآخرين، يصدقون في شعور البذل والعطاء لأجل البذل والعطاء. وثمة فاعلو خير يتاجرون مع الله، وآخرون يتاجرون مع ضمائرهم، وآخرون يتاجرون مع إنسانيتهم.. ومنهم من يتاجر مع صورته.

ولكنَّ منهم من يُدهشك بغرابة طريقته لفعل الخير. كمثل صاحبنا الذي لايزال تاركاً خمسين ألف ريال في مكانها، ولن تُصرف إلا على ذلك المسكين الذي رفضها. هذا ما كرَّره. والأكثر دهشة إصراره على ألا يعرف أحد بالأمر، وألا يكون غير الله شاهداً على هذا الفعل.

الدهشة آتية من فهمنا العام لفعل الخير، والصورة التي آلت إليها عمليات العمل الخيري العلني/ الدعائي/ الاستعراضي.

وفي بلادنا - كما في بلادٍ أخرى - فاعلو خير يجسِّدون صوراً خيالية في طريقة تبرعهم. منهم - مثالاً لا حصراً - من يزور السجون باحثاً عن محاصرين بديون ليفكُّوا أسرهم. ومنهم من يطرق أبواباً ليُعطي من دون علم أحد. ومنهم من يجنِّد فريق بحث عن محتاجين ليساندهم سراً. وهؤلاء لا يُعطون من أجل أن «يُقال» أعطوا. إنهم يُعطون… وكفى.