آخر تحديث: 25 / 1 / 2022م - 11:21 م

أبناؤنا ثمرة تربيتنا «6»

الإسلام والأساليب المتنوعة؟

الشيخ حسين المصطفى

هل نستطيع أن نضع خطاً بيانياً واحداً للتربية؟

من الصعب جداً ذلك؛ لأنّ رسالة التربية هي إصلاح ما يفسد من الطفل أو إدخال الفكرة القيمة إلى وجدانه بحسب ما تستوعب إدراكاته وأحاسيسه، وبطبيعة الحال فإنّ هذه العملية قد تحتاج إلى ما يشبه تشخيص العقاقير لأي مرض كان، بحيث يدور الأمر بين أن نترك الطفل نهباً للمرض الذي يهدد شخصيته أو أن نقسو عليه بطريقة مدروسة لتخليصه منها.

فنحن إذا ما أردنا أن ننشئ إنساناً سوياً، لا بد لنا أن نتعامل مع المفردات السلبية الموجودة داخل شخصيته بحسب حاجتها إلى الرفق أو إلى العنف، فلا يستعجل المربي منا العنف بل عليه أن يصبر على متابعة التجربة اللينة، ويستفيد من التجارب المتنوعة، إذا لم يكن لما يستغرقه من وقت طويل، تأثير سلبي على عملية التقويم.

فالأصل هو عدم القسوة، ولكن من الممكن أن نستعمل العنف بشرط أن يكون استخدامنا العنف من موقع رحمة لا من موقع حالتنا المزاجية وكوننا نميل إلى القسوة.

فهناك فرق بين الأسلوب الذي يختزن العنف على اختلاف درجاته والقسوة: فالقسوة حالة نفسية تدفع الإنسان إلى الاعتداء على الآخرين واضطهادهم، وبالتالي تفقده فطرته التي فطره الله عليها من الفضول وحب الاستطلاع، وتجعله يميل إلى الخوف والإحجام وتفادي النقد والإحساس بالضعف، وهو ما ينتج عنه الرهاب الاجتماعي. وكذلك هو الحال في استخدام الحماية الزائدة والحنان المفرط فإنّهما يحرمان الطفل في طفولته من فرصة تأكيد ذاته مع أقرانه بالاحتجاج اللفظي أو العملي.

بينما العنف «المدروس» هو خطة يراد من خلالها إصلاح ما يفسد من الإنسان أو تعميق قيمة ما في نفسه، وهو بذلك قد يحمل مصلحة للإنسان تماماً كالعمليات الجراحية التي تحمل إليه الصحة. وإذا درسنا المسألة على ضوء الواقع لا نجد الحياة رفقاً كلها أو عنفاً كلها. بل إنّ للرفق موقعاً فيها وللعنف موقعاً آخر..

ونخلص من ذلك أنّ الأسلوب التربوي هو عنوان يتحرك تبعاً للحالة الداخلية أو الخارجية التي يعيشها الطفل والتي تتحدد على ضوئها حاجة العلاج إلى التدخل لتقويم الحالة أو إصلاحها أو ترويضها، ذلك أن الأطفال يختلفون فيما بينهم فهناك الذي لا يمكن إصلاح أمره بالرفق دائماً أو بالعنف دائماً، وهناك من يحتاج إلى الضغط كي يهدأ ويستقر.

ومن هنا فنحن ضد التسلط وضد القسوة، لأنّ التسلط يمثل حالة قهر ولأنّ القسوة تمثل حالة عدوان. ولا بد أن نفرق بين السلطة والقسوة وبين العنف المدروس، والأصل في الإسلام هو الرفق.

وهذا ما نتلمسه في الآيات القرآنية، حيث إنّ حديث القرآن عن الطفولة يفيض بالمودة، فإنّ الله تعالى يقسِم بالطفولة: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ.

والأطفال هم البُشرى، قال تعالى مبشِّرًا نبيَّه زكريا: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا.

وهم قرة العين، لذلك أرشد الله عباد الرحمن إلى هذا الدعاء فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا.

وهم زينة الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً