آخر تحديث: 2 / 12 / 2021م - 8:49 ص

الدكتور توفيق السيف وصناعة الأفكار الجديدة

محمد المحفوظ *

قليلة هي الشخصيات التي تمتلك جرأة فكرية وشجاعة ثقافية وحيوية سياسية على المستويين النظري والعملي وطيبة نفسية وصفاء قلبي وعدم الوقوف كثيرا عند التفاصيل أو منطق القيل والقال.. ومن هذه الشخصيات الأخ الدكتور «توفيق السيف» فهو شخصية بمقدار ما تمتلك من جرأة فكرية للبوح بقناعاتها حتى لو كانت صادمة للآخرين، هو يمتلك في الآن نفسه صفاء قلبي وطهارة نفسية لذلك فإن الكثير من الناس، الذين لا يعرفون الدكتور السيف إلا من خلال مؤلفاته وأبحاثه ومقالاته، يتصورونه وكأنه شخص بعيد عن التواضع والقدرة على التواصل مع الغير.. بينما في حقيقة الأمر هو على المستوى الإنساني والأخلاقي مختلف ومغاير عن جرأته الفكرية وشجاعته الثقافية.. فهو من الأشخاص الذين يقدرون الصداقة والأخوة ولا يقبل لنفسه مقابلة الإساءات التي يتعرض إليها بإساءات مماثلة، ولديه إمكانية نفسية متميزة تحول دون خضوعه لمتواليات الإساءات التي يتعرض إليها، أو ردود الفعل التي يعبر فيها بحدة عن معارضتهم لأفكاره ومواقفه..

فهو وبدون مبالغة مفكر بامتياز، ولديه جلد الباحث وصبره، كما لديه تواضع العالم ونقاء سريرته.. ولكونه مشتغل بالفكر وصناعة المعرفة والبحث عن الحقيقة، لا يرى ضيرا على المستويين النفسي والمعرفي من طرو تبدل في قناعته الفكرية أو تحوله الثقافي، لأنه يرى عملية التبدل والتحول والتطور من طبائع الأمور ومقتضى العلم الفكري والمعرفي..

وفي هذا السياق لا يزوق عملية التحول ولا يجمل تبدل القناعات، وإنما يتعامل معها بوصفها مسألة طبيعية..

ولعل من أهم ميزاته الفكرية، هي قدرته على صياغة أفكار سياسية جديدة، يبحث عن جذورها التاريخية ويتواصل مع المنجز المعرفي الإنساني، ويصيغ رؤيته أو فكرته انطلاقا من وعيه وإيمانه بهذه الفكرة، ويسندها باهتمامه العلمي سواء بالفكر السياسي الذي أنتجه المسلمون من علماء ومفكرين وإطلاعه المباشر على عطاءات فلاسفة الغرب في هذا الحقل.. أسوق هذا الكلام فور انتهائي من قراءة كتابه الجديد الذي لا زال مخطوطا والمعنون ب «أن تكون شيعيا سعوديا.. إشكالات المواطنة والهوية في مجتمع تقليدي»..

والذي عالج فيه وبموضوعية علمية مشهودة إشكالية التمييز الطائفي الذي يعاني منه الشيعة في المملكة والإضافة الأساسية الذي حاول إبرازها في نصه الأخير، هو أنه لا يمكن للشيعة في المملكة، أن يعالجوا مشكلتهم بمعزل عن معالجة مشاكل الوطن الكبرى..

لذلك فلا حلول خاصة على هذا الصعيد، وإنما ينبغي أن ينخرط الشيعة في سياق نشاط وطني مع بقية شركاءهم في الوطن لمعالجة مشاكل الوطن ومن ضمنها مسألة التمييز في أبعاده المذهبية والمناطقية والعرقية..

وهذا الكتاب وضح بشكل جيد القدرة النظرية والفكرية التي يمتلكها الأستاذ السيف، وهو في تقديري من أبرز المفكرين السعوديين الذي يقترب من معالجة مشاكل حيوية وخطيرة في آن على صعيد الراهن السعودي.. ويعمل على معالجتها بدون مواربة أو تردد.. فشجاعته العلمية مشهودة، ويعبر عن قناعاته كما هي، بدون تزويق أو تجميل، ويتحمل في سبيل ذلك الكثير من الأعباء.. وثمة ميزات أساسية تميز كتابه الأخير منها:

1 - إنه أقترب معرفيا من مناقشة قضية ذات بعيدين أساسيين: بعد معرفي يتعلق بمسألة الهوية وإشكالات المواطنة في سياق اجتماعي تقليدي، وبعد سياسي يتعلق بمشكلة التمييز الطائفي الذي يعاني منه شيعة المملكة، وسبل تجاوزه وتفكيك حوامله..

2 - من الضروري التفريق بين مفهوم الانحياز الأيدلوجي، الذي يحول أي نص فكري أو سياسي إلى نص وعظي، تبليغي، وبين مفهوم البحث العلمي الموضوعي الذي يفحص كل الاحتمالات والخيارات بدون تحيز مسبق لأي طرف أو خيار..

وأعتقد أن الدكتور السيف تمكن إلى حد بعيد في هذا الكتاب من تجاوز حالة الانحياز الأيدلوجي، وخلق مسافة نفسية ومعرفية، بين موقعه الاجتماعي وبين مقتضيات البحث العلمي - الموضوعي..

فهو «أي الكتاب» عبارة عن نص فكري - سياسي، ناقش قضاياه المختلفة بروح علمية - موضوعية، دون انحياز مسبق أو نزعة وعظية في معالجة قضايا التمييز وإشكالات الهويات الفرعية..

3 - لعل هذا الكتاب من أهم الكتب الفكرية السياسية وأبرزها، الذي قدم معالجة علمية وتحليلية لمسألة التمييز الطائفي وإشكالات الهوية والمواطنة..

لذلك فإن هذا الكتاب، بشكل خارطة طريق لتجاوز إشكالية حقيقية يعاني منها المجتمع السعودي على أكثر من صعيد..

وعلى كل حال، ما نود أن نقوله، إن كتاب الدكتور السيف الأخير، يستحق القراءة العميقة، وإثارة النقاش الوطني حول مضامينه وخياراته..

والدكتور السيف من القلائل على المستوى الوطني، الذي يقدم أفكارا جديدة، وتستحق الحوار والمثاقفة، لأنها جادة وحيوية وجريئة في آن..

كاتب وباحث سعودي «سيهات».