آخر تحديث: 26 / 1 / 2022م - 12:41 ص

هل للقرآن بطون؟

الشيخ حسين المصطفى

القرآن الكريم كلام الله المنزَل، أنزله على قلب رسوله محمَّد ﷺ، هداية للعالمين، وهو المصدر الأعظم من مصادر تلقي العقيدة والأحكام عند كل المسلمين، وقد ذكر الإمام علي الرضا يوماً القرآن فعظَّم الحُجّة فيه والآية والمعجزة في نظمه، وقال: ”هو حبل الله المتين، وعروته الوثقى، وطريقته المثلى، المؤدِّي إلى الجنة، والمنجي من النار، لا يخلق على الأزمنة، ولا يغث على الألسُنَّة؛ لأنه لم يجعل لزمان دون زمان، بل جعل دليل البرهان، والحُجّة على كل إنسان، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ“ «عيون أخبار الرضا: 137 - 138 ح 9».

وعن الإمام جعفر بن محمَّد الصادق ، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: ”... فَإِذَا الْتَبَسَتْ عَلَيْكُمُ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، فَعَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ، وَمَاحِلٌ مُصَدَّقٌ، وَمَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ سَاقَهُ إِلَى النَّارِ، وَهُوَ الْدَلِيلُ إِلَى خَيْرِ سَبِيلٍ، وَهُوَ كِتَابٌ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَبَيَانٌ وَتَحصِيلٌ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ...“ «الكافي: ج 2 ص 598 - 599».

وعن أبي الحسن موسى قَالَ: قَالَ النبي ﷺ: ”إِنِّما الْعِلْمُ ثَلَاثْةٌ: آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنة قائمة، وما خلاهن فهو فضل“ «الكافي: ج 1 ص 32».

ولقد بينت بعض الروايات شمول القرآن الكريم، وعجز العقول عن إدراك كلِّ أسراره، منها: قول الإمام جعفر بن محمَّد الصادق : ”مَا مِنْ أَمْرٍ يَخْتَلِفُ فِيهِ اثْنَانِ إِلَّا وَلَهُ أَصْلٌ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَكِنْ لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُ الرِّجَالِ“ «المحاسن: ج 1 ص 267 ح 355؛ الكافي: ج 1 ص 60 وج 7 ص 158؛ تهذيب الأحكام: ج 9 ص 357 ح 1275».

وما جاء في ذيل هذه الرواية تحصر معرفة ذلك بالإمام ، وأنَّ الناس لا تفهم ذلك، ولا يمكن تبريره إلا على أساس أنَّ للقرآن بطوناً ورموزاً.

ولكنَّ الخبر ضعيف بالإرسال؛ لأنَّ ثعلبة بن ميمون نقله عمّن حدَّثه عن المعلَّى بن خنيس في بعض المصادر، ونقله عن بعض أصحابنا عن الإمام في مصادر أخرى، فهو مرسل أو ضعيف لا يعتمد عليه.

ولذا جاء في نص معتبر حسن عن الْفُضَيْل بن يَسَار، قال: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ : إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ؟ فَقَالَ: ”كَذَبُوا أَعْدَاءُ اللهِ، وَلَكِنَّهُ نَزَلَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْ عِنْدِ الْوَاحِدِ“ «الكافي: ج 2 ص 630».

وبناءً عليه، فمن يريد الاستدلال برواية الحروف السبعة على وجود بطون سبعة فإنَّ هذا الخبر التام سنداً يكذِّب نظريته؛ لأنه صريح في نفي الحروف السبعة؛ ومكذِّب لفكرة البطون السبع كما هو واضح.

نعم، قد نقول بوجود ظهر للقرآن وبطن، إذا حملنا أنَّ المراد بظهر القرآن هو من نزل فيهم، وأنَّ بطنه هو تأويله، أي المصاديق الحادثة المستجدّة التي تكون منطَبَقاً للقرآن الكريم، فمفهوم ”أبي لهب“ - مثلاً - ظهره هو أبو لهب عمّ النبي ﷺ، لكنَّ بطنه كلُّ الذين يحاربون الدين ويؤذون المؤمنين ويهزؤون بهم إلى يوم القيامة. كذلك مفهوم ”أب الخليل إبراهيم“ هو رمزٌ لكلِّ السلطات والمؤسسات الاجتماعية التي تكرِّس بقاء التقاليد والمسلَّمات والأعراف، وتوفر لها الحماية والاستمرارية «عبر دعاوى الشرعية».

وعليه يمكن حمل قول الإمام : ”لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُ الرِّجَالِ“ بأنَّ هذه الكلمة توحي أنَّ ”على العلماء أن يدقّقوا في فهمهم للقرآن، بحيث يستوحون عمقه وامتداده، ولا يتجمّدون عند حروفه وكلماته؛ لأنَّ اللغة العربية في قواعدها، قد تقف بالإنسان على المعنى الحرفي للكلمة، ولكنّها لا تنفتح على الإنسان بالآفاق الواسعة لها“ «أنظر: السيد محمد حسين فضل الله».

فالمحصلة:

إنَّ المنظور من البطون ليس التأسيس لنظام لغوي مختلف عن نظام التعبير العربي الذي يفهمه العرب بقراءتهم للنصوص والخطابات، وإنما يقوم على أساسين:

1. إنَّ القرآن الكريم قد يأتي بموارد جزئية لكنه يؤسِّس فيها لقواعد عامة، كما في «قصص الأنبياء» و«التجارب التي أعطى منها موقفاً في أحداث وقعت في الصدر الإسلامي الأول في الحروب والعلاقة مع المنافقين وغير ذلك»، فإنَّ الانتقال منها إلى الكلّيات يسمح لنا بإنتاج القرآن ضمن سياق عام يقبل تطبيقه خارج الإطار الجزئي الخاص الذي كان فيه.

2. إنَّ الناظر في القرآن يلحظ فيه إشارات ولطائف ودلالات متحرّكة يمكن «استيحاء» تصوّرات متعددة منها وفقاً لقابلية اللغة العربية، فقد نستوحي من قصة ”ملكة سبأ“، أنَّ القرآن يريد أن يركِّز مفهوم قدرة المرأة على ممارسة إدارة سياسية حسنة للسلطة، وينتفع الفقيه بهذا الاستيحاء...

وبناء على فكرة الاستيحاء يتم:

أ - المقاربة والمقارنة بين النصوص القرآنية.

ب - الربط بين المعاني والمفاهيم المأخوذة من القرآن الكريم.

ج - فكرة الذوق التفسيري الذي يملكه المفسِّر من خلال خبرته بالنص القرآني تماماً كما يملك الفقيه ذوقاً فقهياً.

وهذه الفكرة تعطي المفسر طابعاً مرناً يمكنه، بما يخدم الجري القرآني والتطبيق القرآني على مختلف مرافق الحياة بمظاهرها الجديدة.

قد دخل «الاتجاه الباطني» على التفسير، وركّز على أنّ للقرآن بطوناً قد تصل إلى السبعين، واختصرها بعضهم في سبعة، ما جعل المعنى القرآني يغرق في معانٍ باطنية لا علاقة للفظ بها، بحيث لا نشعر بوجود أية علاقة بين اللفظ وبين المعنى الذي يستبطنه القرآن كما يعتقد أصحاب هذا الاتجاه.

ومهما يكن، لا بدَّ للنص في قيمه ومقاصده وأحكامه أن يبقى حاكماً على الواقع وليس العكس. وهنا لا بدَّ من تجاوز الوقوف على حرفية النص، وإعادة النظر في «حجية الظهور»، فما فهمه الأقدمون من النص، ليس بالضرورة أن نفهمه نحن اليوم منه. لا بدَّ من الاعتراف أنَّ فهم دلالة النص تتأثر بالواقع الاجتماعي، وثقافة الفقيه، ومزاجه الشخصي، وروح العصر الذي يعيشه.

أما عندما يغيب النص الصريح والمباشر، فإنَّ العقل هنا لا بدَّ له أن يلعب دوره من خلال الإحاطة بروح النص فيما نسميه بالتفهمية القيمية التي تتجاوز الفهم المجزأ والموضوعي معاً.

لقد اعتبر الشريف المرتضى أنَّ أدلة العقول - وهي متطورة بحسب الزمان والمكان - ليس فيها احتمال ومجاز وتأويل، خلافاً للنص، ومن ثم لا بد من صرف كل ظاهر للنص بما يوافق هذه الأدلة «أمالي الشريف المرتضى: ج 2 ص 125 - 126».

كما اعتبر «رحمه الله» - في محل آخر - أنَّ ظواهر الكتاب الكريم اما أن تكون محتملة مشتركة أو أنها ظواهر خالصة، وفي كلا الحالين لا بدَّ من الرجوع إلى الأدلة العقلية المخالفة لهذه الظواهر؛ باعتبار أنَّ هذه الأدلة قطعية «رسائل الشريف المرتضى: ص 14 و24 و93».

وجاء عنه أيضاً تأكيده بأنَّ للعقول ”دلالة على جميع الأحوال غير محتملة، فرددنا كل مشتبه من آيات وغيرها إلى أدلة العقول لأنها أصل“ «رسائل الشريف المرتضى: ج 2 ص 56».

وهو نفس ما قرره تلميذه الشيخ الطوسي، إذ أكدَّ هذا المعنى وهو أنَّ ظواهر النصوص تبنى على أدلة العقول لا العكس، وبالتالي لا بدَّ من تأويل هذه الظواهر عند معارضتها للعقل «الاقتصاد في الاعتقاد: ص 162؛ الرسائل العشر: ص 325».

إنَّ العقل والنص يتفقان حول مجموعة القيم الإنسانية الكبرى كالعدالة والحرية والمساواة والإحسان والخير والجمال، ويدعوان إلى تنزيه وسائل تحقيق هذه القيم عن إيذاء الآخرين أو ظلمهم أو إلحاق الضرر بهم.. وعلى هذا الأساس، يمكن للعقل الفقهي أن يتحرك في مساحة المسكوت عنه التشريعي ليملأها بما يستجيب لحاجات الأمة، وأن يتحرك بين النصوص من أجل تنقيتها مما يمكن أن يكون قد علق بها من تغييرات أو مما التصق بها من رؤى عرفية أو تاريخية أو اجتماعية وصولاً إلى تنزيلها في الواقع تنزيلاً جديداً يجعل من النص غضاً نظراً في كل زمان جديد، ف ”لَا يَعْوَجُّ فَيُقَامَ، وَلَا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبَ وَلَا تُخْلِقُهُ كَثْرَةُ الرَّدِّ وَوُلُوجُ السَّمْع“ «نهج البلاغة: خطبة 156»؛ لأنَّ الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة، إنه يبقى قادراً على التفاعل مع مشاكل الناس في كل مرحلة تاريخية بالكفاءة نفسها.

وخلاصة القول:

المشهور بين المسلمين أنَّ للقرآن الكريم ظهراً وبطناً، كما وجدنا هذا المعنى في كلام أمير المؤمنين حيث يقول: ”وَإِنَّ الْقُرْآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ، وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ، وَلَا تَنْقَضِي غَرَائِبُهُ، وَلَا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلَّا بِهِ“ «نهج البلاغة: خطبة 18».

فتعلقت طائفة بهذا الكلام وصرفوا معنى القرآن عن وجهه فوضعوه في غير موضعه، وأتوا في تأويل باطن الكتاب بما لم يروَ عن رسول الله ﷺ أمثاله، ولا عن تلامذته أشباهه.

والمراد من ”ظاهر القرآن“ هو فصيح لغته وعجيب نظمه، وغريب أسلوبه، والمقصود من ”باطن القرآن“ عمق معناه ولطف مفهومه كما رووا عن علي ﷺ أنه قال: ”ما من آية إلا ولها أربعة معان: ظاهر وباطن وحد ومطلع، فالظاهر التلاوة والباطن الفهم، والحد هو أحكام الحلال والحرام، والمطلع هو مراد الله من العبد بها“ «تفسير العياشي». فباطن القرآن كما صرَّح به في هذه الرواية هو عمق مفاهيمه، وذلك يدرك بالتدبر والتأمل.

وأما ما حكي في الروايات الشاذة عن باطن القرآن مما لا يدل عليه الكتاب بوجه من الوجوه، فليس من باطن كتاب الله عز وجل، فكيف يعد من معاني القرآن ما لا يدل القرآن عليه بدلالة لفظية ولا معنوية؟! والأقرب أنَّ تلك الروايات الشاذة من وضع الباطنية والفرق الضالة، وضعوها للتغرير بالناس ودعوتهم إلى مذاهبهم المبتدعة.

إنَّ فكرة عدم استيعاب اللفظ لمراد الله، غير مقبولة؛ لأنَّ الله يقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ؛ أي أنَّ الله أراد أن يبين لنا ما يريده من خلال اللغة، بما تتحمله اللغة، وأما المعاني التي لا تتحملها اللغة، فلا مجال للتعبير عنها بها، وكون الله يريد تلك المعاني، فهذا أمر لا تبرير له. صحيح أنَّ علم الله لا يتناهى، ولكن الله لم يكشف لنا كلَّ هذا العلم في القرآن.

ولذلك لا معنى للتفسير الباطني؛ لأنّه من قبيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى إلا أن يكون تأويلاً، أو بياناً للمصداق، أو استيحاءً كما ورد عن الإمام الباقر في آية ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً «المائدة: 32»، حيث يرى : ”أنَّ تأويلها الأعظم من نقلها من ضلال إلى هدى“ «بحار الأنوار: ج 2 ص 20»، فالقتل بمعناه الظاهري هو القتل الجسدي، ولكنَّ الإمام كأنّه يقول: إذا كان الله يمنّ علينا بهذا فالحياة المعنوية أهم وأولى.

وكذلك آية: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ «عبس: 24»، هناك رواية تقول ”طعامه: علمه“ «الكافي: ج 1 ص 50» والمقصود بقرينة السياق العام للآية من كلمة ”الطعام“ هو معناها المعروف، ولكن تفسيره بالعلم استيحاء.

نعم ربما يكون المعنى أحياناً عميقاً وله عدة أعماق بحسب وعي المتلقي مثل قضية التوحيد ”لا إله إلا الله“، هذه الكلمة تدل على التوحيد، وقد يفهمه الإنسان بشكل ساذج، وقد يفهمه بمعناه العميق، بالتفصيلات التي يذكرها المتكلمون، فإذا كان المراد بالباطن هذا الأمر، فلا بأس به أيضاً.

مثال قرآني:

فلنأخذ قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى وهو موجود في سياق قصة موسى مع فرعون وسحرته، كما قال تعالى عن فرعون: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى * فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى * قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى «طه: 56 - 62».

1 - المعنى الظاهري الآية الكريمة:

الأصل الافتراء القطع من فريت الأديم أفريه فرياً، فكأنَّ الافتراء هو القطع على خبر لا حقيقة له، والفترة الغشية، أي شدائد تُحيط بصاحبها وتغمره فتولّد السكرات.. وهذه آية عامة، يجب على الإنسان ألا يفتري، ولا يتهم اتهامات باطلة، ولا يزوِّر الحقائق، ولا يتكلم بشيء وهو غير مقتنع به، ولا يردد الأقوال الباطلة.

2 - المعنى العميق للآية الكريمة:

الظلم يعظم ويشتد بعظمة من يتعلق به. وليس فوق الله وآياته أحد، وبالتالي، فإنَّ أشد أنواع الظلم هو ظلم الافتراء على الله تعالى.. يقول تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ. فهو استفهام إنكاري، أي لا أحد أكثر أمعاناً في الظلم من هذين النموذجين: نموذج المفتري على الله كذباً؛ ونموذج المكذِّب بآياته؛ لأنه يظلم الحقيقة الإيمانية التي تمثل خلاص الناس كلهم في جميع قضايا المصير في الدنيا والآخرة، ويظلم الله في حقه في العبودية له، بالاستسلام له في كل شيء.. بما يوحي به الافتراء من تزييف للصورة الحقيقية التي يريد الله للحياة وللإنسان المزيد من الارتباط بها، فيسيء بذلك إلى الحياة والإنسان.

ولذا تأتي الخيبة في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى لليأس من بلوغ النتيجة المأمولة، وقد وضعت الجملة في الكلام وضع الأصل الكلي الذي يتمسك به، وهو كذلك فإنَّ الافتراء من الكذب، وسببيته سببية كاذبة، والأسباب الكاذبة لا تهتدي إلى مسببات حقة أو آثار صادقة.

فنتائجها غير صالحة للبقاء، ولا هي تسوق إلى سعادة، فليس في عاقبتها إلا الشؤم والخسران، فالآية - هنا - أشمل معنى من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ «يونس: 69»؛ لإثباتها الخيبة في مطلق الافتراء بخلاف الآية الثانية.

فمن افترى على الله يحصل له أمران:

أحدهما: عذاب الاستئصال في الدنيا أو العذاب الشديد في الآخرة وهو المراد من قوله: ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ.

والثاني: الخيبة والحرمان عن المقصود وهو المراد بقوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى.