آخر تحديث: 26 / 1 / 2022م - 12:41 ص

خطر رسالة العلماء وفقدان المناعة الفكرية في الأمّة

الشيخ حسين المصطفى

قال تعالى ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً

نعيش هذه الأيام أوقاتاً عصيبة من تاريخ أمتنا العربية والإسلامية، التي أنهكتها الخلافات المذهبية والطائفية، بسبب سوء فهم الدين، والمتاجرة به، وظهور الأفكار المتطرفة، إضافة إلى سوء الأحوال الاقتصادية، وتفشي النظام الرأسمالي البغيض، الذي يقوم على سوء توزيع الثروة.

أناس يموتون من الجوع وأناس يموتون من الشبع، وظهور أدعياء التخدير الديني موازياً لظهور المتطرفين من تكفيريين وجهاديين وغيرها.

في هذا الوقت الذي تعفنت فيه رؤية الناس، وأصبحوا بفضل هذا المناخ ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا يقف علماء الأمة حيارى مكتوفي الأيدي؛ فلا نرى هيئة علمية أو قيادة دينية تستطيع أن توفق بين هذه المتناقضات.

والغريب أنّ كلَّ جماعات المسلمين تعتمد في صياغة تقويمها للواقع على القرآن والسنّة، ولكن هناك فارق جوهري بين فئتين:

فئة: تعتمد في صياغتها تلك، ولكنها متغلغلة في التعصب ضد المخالف لها.

وفئة أخرى: تعتمد في صياغتها بعيداً عن التعصب والقدح في المخالفين، وتعتمد في تشخيصها لمرض الأمة على الواقعية وعدم المداراة في الباطل، وبشكل رئيسي على مبدأ قرآني سنني رصين: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم بحيث تضع هذه الآية نصب أعينهم في كل حين، ولكنها مع ذلك لا تحرك ساكناً.

وفي مقابل هاتين الفئتين يضاف لهما وجود قيادات سياسية متعددة ضعيفة في قراراتها، ومقيّدة بقيم العصبية والجاه الفردي والمكانة الاجتماعية والرغبة في الهيمنة والتصرف في المقدرات العامة.

وقد أثر عن ذلك تفشي مرضين:

أحدهما: بقاء الأفراد والجماعات مقيدين في اتجاه واحد وهو الحرص على المكاسب والمتع الدنيوية الرخيصة.

وثانيهما: ضعف فكرة التضحية والمقاومة وتحمل مسؤولية التغيير.

وما من مطلب إصلاحي عام إلا ويحول دون تحقيقه وجود فكرة مضادة أو قيمة مناهضة، تقيِّد عقول الأفراد والجماعات، وتوجِّه سلوكهم وتشكل علاقاتهم مثل ما يفعل المال والجاه في وقتنا الحاضر.

خطر فساد رسالة العلماء:

قال كميل بن زياد: أَخَذَ بِيَدِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَأَخْرَجَنِي إِلَى الْجَبَّانِ، فَلَمَّا أَصْحَرَ - أي صار في الصحراء - تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ، ثُمَّ قَالَ: ”يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ: إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا، فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ: النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ“.

إنّ صلاح الأمة وفساده يحدده العلاقة بين السياسة والمجتمع، فإذا كان هناك مفاهيم راسخة صافية يدور في فلكها السياسة والاجتماع، وارتقى العلماء الممثلون لهذه المفاهيم، وأخلصوا، وتجردوا، واحتلوا المكانة الأولى في توجيه المجتمع صلح المجتمع وانتظمت الحياة.

فالعالم الرباني هو الإنسان الذي عاش مع الله وفكّر بالله، ونظر في خلق الله، وعاش تجربته الإيمانية عبادةً وابتهالاً وتأمّلاً وتدبّراً مع الله، حتى أصبح يملك علماً يعرف الله من خلاله على أساس كلّ ما يمكن للإنسان أن يبلغه من علم الله. وهذا ما عناه أمير المؤمنين بقوله: ”مَعْرِفَةُ الْعِلْمِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ، بِهِ يَكْسِبُ الْإِنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ، وَجَمِيلَ الْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ“.

ولكن حين تدور تلك المفاهيم في فلك السياسة والمال وتصبح تلك المفاهيم تابعة لهما، يهبط العلماء الممثلون لها ليكون دورهم ليّ أعناق النصوص بما يتوافق ورأي السلطان، فيتسلل الخلل والفساد للمجتمع حتى ينتهي بالانهيار والسقوط، وهذا انقلاب خطير لصورة العلم والعلماء حيث يقول علي: ”والْعِلْمُ حَاكِمٌ، وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ“.

العلم لا يخضع لأحد، بل هو يقتحم عقول الذين لا يؤمنون بالفكر ليفرض نفسه عليها. والعلم هو الذي يحكم الحرب والسلم والاقتصاد والاجتماع وغيرها من شؤون الإنسان الحياتية، وهو الذي يضع القوانين والشرائع والبرامج والمناهج والوسائل والأساليب والأهداف، وهو الذي يمنح الإنسان القدرة على النفاذ إلى أسرار الكون ويساعده على تجاوز آفاقه. وأما المال فإنه يخضع للقوانين التي تحرّكه، ولحركية الاقتصاد هنا وهناك، ولكلّ شهوات الإنسان.

ومن هنا فوظيفة العلم تفوق وظيفة المال؛ يقول أمير المؤمنين: ”يَا كُمَيْلُ، الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ؛ الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعِلْمُ يَزْكُوا عَلَى الْإِنْفَاقِ، وَصَنِيعُ الْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ“.

فالإمام يركز على أن تكون هوية الأمة في العلم والمعرفة لا المال، وبطبيعة الحال ”فالمال ليس أنت، وليس عقلك أو قلبك أو إحساسك وشعورك، بل هو شيء يضاف إليك قانونياً، ولكنّ العلم هو أنت، وهو فكرك في عقلك، ووعيك في قلبك، وتجربتك في كيانك وحركتك، ولذلك فهناك فرق بين أن يكون الشيء في داخل ذاتك وبين أن يكون خارجها“.

آثار هبوط العلماء:

1. الانشغال عن معالجة قضايا الأمّة الملحة، بالقضايا الهامشية، كالخلافيات والجدليات.

2. التعصب المذهبي واختفاء صفات طالب العلم الحقيقي وزكاة نفسه.

3. تفتيت وحدة الأمة بظهور القوميات والعرقيات، والمذاهب والجماعات.

4. انتشار التدين السطحي بين عامة الناس.

5. ظهور السياسة والمال على الدور الحقيقي للعلماء.

وربما أول من شخّص هذه المأساة بصورة دراماتيكية هو أمير المؤمنين حيث يقول: ”إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْماً جَمّاً - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ - لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً؛ بَلَى أَصَبْتُ لَقِناً غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ، مُسْتَعْمِلًا آلَةَ الدِّينِ لِلدُّنْيَا، وَمُسْتَظْهِراً بِنِعَمِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَبِحُجَجِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، أَوْ مُنْقَاداً لِحَمَلَةِ الْحَقِّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَائِهِ، يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ لِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ، أَلَا لَا ذَا وَلَا ذَاكَ، أَوْ مَنْهُوماً بِاللَّذَّةِ سَلِسَ الْقِيَادِ لِلشَّهْوَةِ، أَوْ مُغْرَماً بِالْجَمْعِ وَالِادِّخَارِ لَيْسَا مِنْ رُعَاةِ الدِّينِ فِي شَيْءٍ، أَقْرَبُ شَيْءٍ شَبَهاً بِهِمَا الْأَنْعَامُ السَّائِمَةُ، كَذَلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ“.

في هذا المقطع المهم، يصف علي الناس، الذين يدورون في فلكه، ويريدون حمل علمه ووعيه، إلى خمسة أقسام:

القسم الأول: قسم يفهم بسرعة ولكنه غير مأمون على فهمه؛ يستعمل آلة الدين للدنيا؛ فيفتح للدين دكاناً فيه بعض بضاعة العلم ليبيع ويشتري.

القسم الثاني: قسم إذا أنعم الله عليه بعلم فإنّه يحاول أن يستعلي به على الناس.. فيعمل على استعلاء ذاته، باسم العلم، على الناس، والله سبحانه يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ.

القسم الثالث: قسم بسيط الفكر ساذج الأفق لا ينطلق من العمق في وعيه وفهمه للأمور، مقلِّد في القول والعمل.

القسم الرابع: قسم شكّاك لأنه لم يتعمق فيما سمعه من علم، فهو لا يملك العلم الذي يوازن به الأفكار والأوهام التي تأتي إليه والشهوات التي تزحف إلى فكره.

القسم الخامس: قسم مغرم بالجمع والادّخار ليس من رعاة الدين في شيء، وأقرب شيء شبهاً به هو الأنعام السائمة.

لقد شخّص الإمام من خلال وضعه لهذه الأقسام الخمسة أدوات مأساة العلماء، ووضع النتيجة الخطيرة بقوله: ”يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ“ عندما لا ينفتح الناس عليهم!!

ميادين العلاج:

1. العمل على إيجاد جيل جديد من العلماء والمربين؛ تأخذ على عاتقها مسؤولية رسول الله ﷺ في الدعوة والهداية، فقد كان ﷺ، كما يصفه أمير المؤمنين : ”طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَأَحْمَى مَوَاسِمَهُ، يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، مِنْ قُلُوبٍ عُمْيٍ، وَآذَانٍ صُمٍّ، وَأَلْسِنَةٍ بُكْمٍ، مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ“.

2. وضع هدف جديد في التربية والتعليم الديني، هدفه إحياء الأمة من سباته.

3. إحياء رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهو مفهوم يختلف عن مفهوم مؤسسة الحسبة اختلافاً كلياً، فالحسبة مؤسسة تابعة للسلطة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سلوك واجب على كل مؤمن، فيبدأ فيه المرء بنفسه فجيرانه فأهل مدينته.

4. نقد نزعة السلطة عند الإنسان.

5. محاربة المادية الجارفة والسلبية الدينية، والتي سببها اختلال العلاقة بين الإنسان والدنيا وعدم المعرفة من الحكمة من خلق الله للإنسان والدنيا والآخرة.

6. الدعوة للعدالة الاجتماعية وإرساء مبادئ الاقتصاد الإسلامي، من خلال أنّ ”المال آلة صبّها الله في أيدي عباده لتكون عوناً لدفع حاجاتهم ووسيلة لتفرغوا لطاعاتهم“.

7. نقد التيارات الفكرية المنحرفة والمتطرفة.

آفاق الناس:

من خلال نص أمير المؤمنين ، نعيش مع أفقين من الناس:

أحدهما: «مُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ» يقرأ ويتأمّل ويجرّب، وهو عندما يقرأ ويسمع ويتأمل ويجرّب، لا ينطلق في العلم من موقع أناني، ولا يبحث أن يجري الناس خلفه فيهتفوا باسمه وليصفّقوا له، ولكن لينجو ابتغاء الوصول إلى الحقيقة، ويتحرّك مع الناس في خط النجاة لئلا يكون الناجي وحده؛ لأنّ العالم على طريق النجاة لا يمكن أن يكون أنانياً بحيث يقول: علمي لي وليس لأحد دور فيه، لأنّ العلم كما يعرفه الذين يتعلّمون على سبيل نجاة، هو أمانة الله عند العالم.. وقد ورد في الحديث النبوي الشريف، الذي يرويه السنة والشيعة: ”إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه ومن لم يفعل فعليه لعنة الله“.

ثانيهما: «هَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ» فهؤلاء الذين عشعش التخلّف في عروقهم، وعاش الجهل في عقولهم، وتحرّكت الفوضى في أوضاعهم.. فهم يتحركون من ظلمات إلى ظلمات، وينطلقون على غير هدى في المتاهات. وذكر لهم الإمام علي جملة من الأوصاف:

أ‌. ”أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ“ ينتظرون الصوت الذي ينعق ويرتفع، فليس المهمّ عندهم ما هو مضمون الكلام، وإنما المهم هو حجم الصوت في الصراخ الذي يتمثل فيه.

ب‌. ”يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ“ لأنهم لم يثبّتوا عقولهم على المحجة الواضحة، ولم يصلّبوا مواقعهم في مواقع الحق، وكما يقول القرآن: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ.

ت‌. ”لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ“؛ لأنهم يعيشون في مواقع الزلزال والاهتزاز دائماً.

ولا تستطيع أن تهتدي الأمة إلى الله إلا من خلال الحب ﴿قُلْ إِن كنتمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي. ولا يستطيع إنسان أن يبدع ما لم يكن محباً، فالمحبة القوة الدافعة باتجاه المعرفة والفاعلة في أساس الوجود..

فلو نزعنا «المحبة» من المعرفة والعلم سنرى محاكم التفتيش التي كانت نتيجة استئثار الكنيسة ومن ثم تعصبها ومصادرة الحقيقة وحكمها على الآخر بالزندقة والكفر والمروق... فالكنيسة في الماضي مارست كل هذه الأمور لأنها فقدت «المحبة». وكذلك نرى الدعاة وعلماء الدين المسلمين يمارسون هذا الدور في هذا العصر لأنهم فقدوا «المحبة»، فاستحلوا الدم الحرام بنفس باردة، فحسّنوا ما قبحه الله في كتابه ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِ.

وأنقل هنا حديثاً يرويه حذيفة بن اليمان، قال: كنا مع رسول اللهِ ﷺ، فقال: ”أَحصُوا لي كمْ يَلفِظُ الإِسْلَامَ؟“، قال: فَقُلنَا: يا رسُولَ اللهِ، أتَخَافُ عَلَينَا، وَنَحنُ ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟! قال: ”إِنّكُمْ لا تَدرُونَ لعَلَّكُمْ أنْ تُبتَلَوْا“، قال: فَابتُلِيَنَا حتى جعَلَ الرّجُلُ مِنّا لا يُصلِّي إلا سرًّا.

ونستفيد من هذا الحديث درسين مهمين:

أولاً: إنّ الحق لا يعرف بكثرة أتباعه. وفي هذا درسٌ في عدم الاغترار بالكثرة، وخاصة في أزمنة الفتن، واختلاط الحابل بالنابل، وتبدل المفاهيم عند كثير من الناس.

ثانياً: إنّ حال الرخاء والقوة لا تدوم؛ فهذا حذيفة الذي مات بعد أربعين يوماً من خلافة علي ، يقول: ”فَابتُلِيَنَا حتى جعَلَ الرّجُلُ مِنّا لا يُصلِّي إلا سرًّا“!! وهذا يدل على أنّ المسلمين الصادقين كانوا يعيشون في ضغط شديد، وأنّ الذين يسيطرون على الشارع هم أصحاب الفتن.

فماذا سيقول حذيفة بن اليمان لو أدرك زمن يزيد والحجاج وغيرهما؟!

وفي هذا درس للمؤمن الواعي أن يستعد للمتغيرات التي لا يملك الإنسان أمامها خياراً، ولا يملك أمامها إلا الصبر، والسعي في إصلاح ما يمكن إصلاحه.

ومن هنا، نرى أنَّ الشهيد مرتضى المطهري لا يسلم بأهلية الخطيب «الواعظ أو قارئ التعزية» ومستواه العلمي إلا بعد إجراء الفحص والاختبار والقيام بعملية تقصي شاملة للتأكد من أهليته، كما هو الحال في عملية التأكد من أهلية مرجع التقليد «الملحمة الحسينية: ج 1 ص 261 - 262».

وعلى ضوء هذا يُظهر الشيخ المطهري خشيته من انحراف المجتمع نحو أشخاص من دون أن يراعوا تحصيل الشروط والقيم، التي تؤهل الفقيه لكي يكون مرجعاً للتقليد تماماً كما جرى التعاطي مع الخطباء غير المؤهلين وعند ذلك ”يبدأ الناس بقبول أشخاص في سلك المرجعية ممن ليس لهم صلاحية مثل هذا المقام والموقع، لكن هذا المقام محفوظ والحمد لله ويجب أن نحافظ عليه أكثر“ «الملحمة الحسينية: ج 1 ص 264».

والشهيد المطهري يعتبر ”أنّ مقام المبلِّغ للإسلام والداعية الإسلامي الذي يُبلِّغ الرسالة الإسلامية لعموم الناس والتعريف بالإسلام باعتباره مدرسة الحياة، هو في الواقع ليس أقل قيمةً من مرجع تقليد المسلمين، لا يحتاج الأمر منكم إلى العجب، فمقام بهذه الحدود، يجب أن يمتلك مؤهلات كبيرة، مع العلم أنّ هناك أموراً مطلوب توافرها في مرجع التقليد، لكنها غير مطلوبة في شروط المبلِّغ“ «الملحمة الحسينية: ج 1 ص 264».

ويُحمّل المطهري المجتمع مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، لأنه يهمل المعايير الواجب توفرها في الخطيب، ويعرض للطريقة التي يرتقي فيها الخطيب سلم المقام التبليغي لواقعة عاشوراء، فيرى ”أنّ أي فرد في المجتمع اليوم يملك صوتاً جميلاً ولديه قدرة بسيطة في تلحين الشعر وحفظ عددٍ بسيط من الأشعار تراهُ يتدرّج شيئاً فشيئاً ليصبح مداحاً في المناسبات الحسينية، فيقف جنب المنبر الحسيني ويبدأ بقراءة بعض المديح وبعض المراثي الحسينية في البداية... فهل المهم أن يكتظ المجلس بالمستمعين أم أنّ المهم ماذا سيسمعون؟! إنها خيانة للإسلام أن يكون الوعظ والتبليغ قد بدأ من مرتبة القدرة على تلحين بعض الأشعار!“ «الملحمة الحسينية: ج 1 ص 264 - 265».

إنَّ الأمة المسلمة تحتاج إلى من يجدِّد لها وعيها ومناعتها الفكرية والثقافية، ويجب أن لا تخلو أمتنا من أناس يعلمون حقاً ما يعنيه تكليف الإنسان بمهمة عمارة الأرض، الذي ابتدئ منذ خلقه الله على هذه البسيطة.