آخر تحديث: 26 / 1 / 2022م - 12:41 ص

حيدر.. شاعر ضاع بين ”سلاتيح“

حسين العلق *

يقال إن ثرياً بارزا أراد أن يُكرم أعرابيا فأهداه طائرا مغردا نادرا غالي الثمن، فلما التقيا في اليوم التالي سأل الثريُ ذلك الأعرابي عن رأيه في الطير الذي أهداه إياه، فأجاب ”إن طعمه طعم الدجاج نفسه“!، ليتضح أن أخانا الأعرابي نتف ريش الطائر المغرد غالي الثمن وسلقه وأكله!. حضرتني هذه الطرفة - مع شيء من التصرف - وأنا أتخيل وضع منظمي حفل الاستقبال الملكي بالمنطقة الشرقية، الذين أحسنوا في اختيارهم أبرز الشعراء الشباب على المستوى المحلي والعربي، الشاعر الأحسائي الفحل حيدر العبدالله، ليلقي قصيدة ترحيبية بالملك، فكانت قصيدة من أعذب ما يكون الشعر وأكثره رقة. غير إن المفاجأة هي أن جمهرة من ”السلاتيح“ راحوا يسلقون الشاعر الشاب بألسِنةٍ حداد، مع أن أغلبهم لا يفرق بين الشعر والشعير!

وبعيدا عن البعد الطائفي الذي نحا له بعض ”السلاتيح“ لجهة الهوية المذهبية للشاعر حيدر، يبقى تردي الذائقة الشعرية وانحدار الثقافة الأدبية عند فئة غير قليلة من الناس، مسألة تستحق التوقف عندها طويلا. فكيف بشاعر فائز بالعديد من الجوائز الكبرى على المستوى العربي والمحلي، فإذا به يصبح بين عشية وضحاها كالطائر المغرد غالي الثمن بيد أعرابي أهبل كما في الطرفة أعلاه!

حقيقة الأمر، يمكن للكثيرين مثلي أن يتفهموا جانبا من ”الطقطقة“ وخفة الدم عند الكثير من شبابنا السعودي. حتى إنه لا يكاد يستثنى أحد اليوم من هذه الموجة المتزايدة من الفكاهة، والتي غالبا ما نجدها على موقع التواصل الاجتماعي ”تويتر“، ولهذه الحالة - بالمناسبة - تحليل اجتماعي مرتبط بالظروف الاجتماعية، ليس هنا محله. كما يأتي بعض ”التفهم“ إياه لجهة كون الفكاهة رد فعل شعبي وعفوي تارة على تصريح مستفز لوزير، يقول إن إنتاجية الموظف السعودي لا تتعدى الساعة يوميا، وأخرى لقول عضو شورى إن السكن ليس حقا للمواطنين، وآخر يتهم المواطنين بالدلع.. وما أشبه ذلك. أما أن تطال السخرية شعرا فصيحا لشاعر مطبوع يقر بنبوغه الشعري القاصي والداني، فتلك مسألة أخرى. فكيف لنا أن نتفهم تقييم الشعر ممن لا حظ لهم في الأدب، اللهم إلا بضع ”شيلات“ لعازف الربابة العالمي شليويح بن محماس، أو مغني ”الأوبرا“ خريش بن منقاش، والتي حار العارفون ضمن أي طبقة صوتية يصنفونها، أهي طبقة الطنين أم الصهيل أم الزعيق، مع الاعتذار لأخواننا الموسيقيين أصحاب طبقات السبرانو والميزو سبرانو!.

وبعيدا عن الهزل. أقول جادا، إننا اليوم بإزاء أزمة فعلية، ليس في تردي الذائقة الشعرية عند الكثيرين وحسب كما حصل مع قصيدة الشاعر حيدر. وإنما تتمثل الأزمة الحقيقية في الفقر المدقع في الثقافة على صعيد أغلب الفنون السبعة وفق تصنيف ”إيتيان سوريو“ والمتمثلة في النحت والعمارة، الرسم والزخرفة، التمثيل، الموسيقى التعبيريّة، الإيماء والرقص، الأدب والشعر وأخيرا السينما والإضاءة، التي عرفت لهذا السبب بالفن السابع. يقول العارفون إن ازدهار الفنون يمثل أحد جوانب ازدهار الحضارة، لما في الفنون من إضفاء البهجة والسرور والأبهّة على مختلف جوانب الحياة. والعكس بالعكس، إن غياب هذه الفنون عن أي ساحة له عواقب وخيمة، ليس أقلها هذا التصحر النفسي، والجفاف العاطفي، وغياب مختلف أشكال البهجة، والأسوأ من هذا كله هو استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.

يبدو لي إن إحدى أفضل الشخصيات الكرتونية المعبرة عن واقع الحال هي شخصية سلتوح بن دخيل الله التي أبدع في توليفها فريق ”Myrkott“ في حلقات فكاهية على اليوتيوب. فهذا الشاب الدرباوي الساذج ذو الأنف الشبيه بالمسطرة العريضة، صاحب سيارة الداتسون موديل 84، المحب لمشروب الحمضيات، والمولع باستماع ”الشيلات“، يبدو لي أن سلتوح هذا أضحى المثل الأعلى لأغلب من تنقص من قصيدة الشاعر حيدر العبدالله، والله أعلم، ”وخلي سوكنانا تنفعكم“!. أما النزر اليسير من الحاسدين، ومنهم من ظهر في مقطع صوتي يطعن في حيدر ويذم قصيدته ويطالب بقطع رأسه، فلا نقول له إلا شطرا مما يليق به من قول أبي العلاء المعري:.. وعَيَّرَ قِسّاً بالفَهَاهَةِ بَاقِلُ!. وأخير، لابد من القول أن المجتمعات المتخلفة تعج ب ”سلاتيح“ كثرا الذين مبلغ همهم الوقوف حجرة عثرة أمام كل المبدعين، من أدباء نابغين ومصلحين دينيين، أو مفكرين تنويريين، ولا كرامة لنبي في قومه!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 5
1
هاني ال عبيد
3 / 12 / 2016م - 10:03 م
لا ترمى الشجرة العقيمة بالحجر انما ترمى الشجره المثمره
2
أم علي العرفات
[ القديح ]: 3 / 12 / 2016م - 10:07 م
أحسنت النشر وجزاك الله خيرا ووفق الله الشاعر حيدر العبدالله لما يحبه ويرضاه ؛
3
محمد ولد الداد
4 / 12 / 2016م - 7:51 م
عمرة اخت عمرو بن عبد ود افتخرت عندما علمت ان قاتل اخاها هو الامام علي افتخرت به . اذ ان الند كان بقرب المنزلة .
لكن ماذا تفعل اذا كان خصمك سفيه واحمق لايقرأ واذا قرأ لايفهم واذا فهم لايفعل . واذا فعل هشتق وتبختر . وهو قاب قوسين من الورقة في مهب الريح
التي ما ان تأتي حتى تلم كل الاوراق في طريقها . وهي بنفس الوقت لا تفعل شي حيال الماسة صغيرة منفردة .
4
ابواحمد
[ القطيف ]: 5 / 12 / 2016م - 12:27 ص
موضوع ممتاز وحيدر يستحق التكريم لم نعرف رقة الكلام منذوا زمن طويل تعلمنا على العصى ولم نتعلم على الرقة دائماً نحب العنف في الكلام مع الااخرين حتى في الشعر الله يوفق الشاعر الفذ
5
يوسف الدرازي
[ المرخ - البحرين ]: 5 / 12 / 2016م - 3:30 م
اولا تحية إكبار وإعجاب بهذا الشاعر الشاب، الذي تترقرق الكلمات بين شفتية بلغة رهيفة عذبة.. كنت أتابع شعره في اليوتيوب وأعيد شعره متأملا بأسلوبه الجميل وانسياقه البديع، وأقول دائما حيدر العبد الله رغم حداثة سنه إلا أنه يفوق الكثير من الكبار في الإلقاء وتمثيل المعنى، خاصة إن في صوته بحة الشعر الجميل والرقرقة الرطيبة، ناهيك عن جزالة ألفاظه والتي تبدو لديه سهلة ميسورة، فشعرة جزل وصعب المنال.
ثانيا: ما يتناقله الاخرون من طقطقات تضحك وتؤنس من لف لفهم إنما هي تظهر مدى التصحر الثقافي وكذلك تصحر في النفسيات الحاسدة، والنفسيات الغير منتجة، فكيف يطلب من لا إنتاج له تقييم الإنتاج، أليس هذا قمة البلاهة..
ثالثا : أقول لحيدر العبدالله لا تنظر لورائك فأنت الأسرع والأجمل.. تقبل تحياتي؛ يوسف الدرازي
كاتب سعودي