آخر تحديث: 26 / 1 / 2022م - 12:41 ص

في رثاء الحاج حسن مكي المحسن عليه الرحمة

حسين العلق *

رحل عن عالمنا قبل أيام قليلة في مدينة كربلاء الحاج المؤمن حسن مكي المحسن، رجل تاروتي قطيفي أصيل، ربما لا يعرفه أغلب أبناء الجيل الجديد في تاروت.. وقد فاتهم بذلك الكثير الكثير.

لا تذهبن بكم المذاهب، فلسنا هنا بحضرة رجل دين بارز بمعايير أهل الدنيا، لكني على يقين أن ما بين جنبيه من التدين والتقوى والتواضع والخلق العظيم ما يذكر بالأنبياء والرسل، ويضاهي به الأولياء والحكماء صدقا وحقا.

كما أننا لسنا بإزاء رجل أعمال ناجح أو ثري من الأثرياء، لكني لا أشك لحظة أن في قلب هذا الرجل من الحب والمودة لجميع الناس ما يفوق كل ثراء العالم برمته.

هو رجل عادي جدا عند من لا يعرفه ويعايشه، ولربما ظن من لا يعرف هذا الحاج المؤمن بأني ربما بالغت في إطراءه بعض الشيء. ولكن صدقوني هم مخطئون في ذلك، فَلَو سال القلم مدرارا في إطراء هذا المؤمن لما وفاه حقه.

الراحل الحاج ”حسن المحسن“ رجل فريد من نوعه بكل المقاييس. فإن كان ”لكل من اسمه نصيب“ كما قيل، فلقد حاز هذا الرجل على أقصى درجات الحُسنْ من اسمه الأول، وفاض بكل الإحسان من اسمه الأخير.

كلي ثقة بأنني اليوم في رثاء رجل هو بمثابة النموذج الأعلى مثالية في تجسيد الأخلاق النبوية بأبهى صورها الإنسانية، ولي أن أقول بكل اطمئنان أنه رحمه الله أحد النوادر جدا.. ندرة الكبريت الأحمر كما يقال.

اعتدنا منذ نعومة أظفارنا كلما رأيناه يتمشى في أزقة حي ”الدشة“ بتاروت أن نذهب للسلام عليه دونا عن باقي الرجال، لا لشيء إلا لأنه كان يعاملنا كما الكبار، ونحن بعد لم نبلغ الحلم، فكان يسألنا فتى فتى عن أحوالنا وأحوال آبائنا وإخواننا وأخواتنا، في لازمة شفهية سريعة لايزال يرن صداها في الآذان رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود.

ما ورد أعلاه ليس موقفا شخصيا، ولا خصيصة اختص بها الحاجَ الراحلَ كاتبُ هذه السطور، بل هي دأبه مع كل الناس صغيرهم وكبيرهم، من يعرفهم ومن لم يعرفهم، غرباء أو من أهل محلته، من ملته كانوا أم من غيرهم، على نحو جعله ينال محبة الجميع، يشهد على ذلك استمرار تواصل العديد من زملائه القدامى في أرامكو رغم تقاعده عن العمل منذ سنين بعيده.

في يوم مدفنه، الجمعة الماضية، كنت برفقة ابن اختي السيد علي أبو الرحي، وهو بالمناسبة زوج ابنة الحاج الراحل، أم أولاده سيد أحمد ودعاء وإيثار وحوراء، قضينا الوقت في استعادة مناقب هذا المؤمن الراحل.

وسأكتفي في هذا المقام بمشهدين، أحدهما وقفت عليه بنفسي والآخر نقله لي ابن اختي في جلستنا تلك.

أما الموقف الذي شهدته بنفسي وأصابني بالدهشة إلى حد كبير، فهي تلك اللحظات التي رأيته فيها لآخر مرة، وكان ذلك قبل أشهر قليلة أثناء حضوره عقد قران حفيده السيد أحمد السيد علي أبو الرحي، وقد مضى أمد بعيد لم أره فيه.

ومبعث الدهشة الكبيرة هو أنني رأيت في وجه الحاج الراحل، نفس الصورة التي طالما سكنت الذاكرة، وذات الابتسامة النورانية العالقة بالذهن، وطلاقة الوجه نفسها التي يقابلنا بها، والأكثر إثارة للإعجاب أن ثقل السنين ووهن الجسد وأوجاع المرض لم تنل من وهج روحه الطيبة التي ظللت الجميع طيلة حياته.

وأما الموقف الآخر، فينقله لي ابن أختي السيد علي، لخصوصية القرابة التي تربطه بالحاج الراحل، وكان ذلك مثار دهشة كبيرة بالنسبة لي أيضا، حيث ينقل بأن الحاج المحسن رحمه الله، لم يختص بطلاقة الوجه وحسن الأخلاق وسعة الصدر مع جميع الناس بداعي المجاملة المستحبة مع الخلق وحسب، وإنما كان ذلك جوهره ووجهه الحقيقي وديدنه مع عامة الناس ومع أفراد عائلته على حد سواء.

فذلك الرجل الذي يجلله الوقار والتواضع والتدين في المسجد والحسينية والشارع، تجلله ذات المناقب أيضا مع أقرب الناس إليه، فلطالما استيقظ أبناؤه سٓحٓرٓا على تراتيل القرآن الكريم، أو فجرا مع ترانيم دعاء الصباح، وكان ديدنه الصلاة والتسبيح والدعاء لوالديه وجيرانه وصالح المؤمنين.

ويكمل ابن الأخت العزيز السيد علي، أن الحاج المحسن بلغ من المناقبية بحيث لم يكن يفقد أعصابه أو يخرج عن طوره تحت أي سبب من الأسباب، لا أثناء نقاش إشكالي «مفرق للجماعات» يجري بحضرته، حيث آثر الصمت دائما، ولا حتى نزولا عند شغب الأحفاد الصغار في المنزل، والذين لم يزد على مخاطبتهم بلهجته التاروتية الجميلة بالقول؛ للأولاد منهم ”يا خلف أبوي انت شيخ.. ما تسوي كذا“ وللبنات ”يا خلف أبوي أنتِ ملاّية «أي قارئة حسينية» ما تسوي كذا“.

وأخيرا، قلت آنفا بأن من لم يعرف هذا الرجل الكريم فقد فاته الكثير الكثير، فقد كان مصداقا للآية القرآنية ”وإنك لعلى خلق عظيم“، التي اتخذها عنوانا لحياته كما أحسب، حتى آمن بها وتفاعل معها قلبا وقالبا، روحا وجسدا. وأكاد أجزم بأن هذه ليست شهادة شخصية مني بقدر ما تمثل شهادة جيل كامل ممن عاصر هذا المؤمن الكريم.

وأختم بالقول، لقد عشق الحاج المحسن النبي وأهل بيته الطاهرين، وأولى الإمام الحسين خاصة، عشقا خالط لحمه ودمه، فكان يحرص على زيارة كربلاء في كل عام رغم الأمراض التي ألمت به وأحنت ظهره، وكانت أمنيته أن يختاره الله وهو بجوار سيد الشهداء أبي عبدالله الحسين ، وقد استجاب الله دعاءه وتحققت أمنيه، فكانت كربلاء معراج روحه، وكان النجف الأشرف مدفنه وبوابة عبوره للآخرة، إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر. فسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّا.

رحمك الله يا أبا محمد رحمة الأبرار.

كاتب سعودي