آخر تحديث: 25 / 1 / 2022م - 9:50 م

بغير ألسنتكم!

حسين رضي أبو السعود *

في مقال سابق تطرقنا فيه إلى مصطلح دون الخوض في ثناياه وحيثياته وجوانبه وإيضاح صورته بحيث لا يشوبه شائب فيكون كالصبح الأبلج لا لجلج فيه.

التعليم بالنمذجة أو المحاكة وكما يعرفه علماء الاجتماع بأنه عملية الاعتماد على النماذج في نقل فكرة أو خبرة إلى فرد أو مجموعة أفراد وهي إحدى فنيات وطرق إكساب الأفراد أنماط السلوك الصحيح وهي أيضاً فنية علاجية لتعديل أنماط السلوك الخاطئ وغير المرغوب لدى الأفراد، وباختصار هي عملية تغيير السلوك نتيجة ملاحظة سلوك الآخرين «أي مشاهدة لنموذج معين».

وأن التعلم بالنمذجة يتطلب توفر فرص التفاعل مع النماذج، وقد يكون هذا التفاعل غير مباشر من خلال وسائل الإعلام المختلفة أو مباشر كما هو الحال في المواقف الحياتية اليومية حيث يتم تعلم العديد من الخبرات والأنماط السلوكية بحيث يكتسب الأفراد هذه الأنماط من خلال ملاحظة أداء نماذج حية في البيئة، فنحن نتعلم من خلال التفاعل مع الوالدين وأفراد الأسرة والأقران وأفراد المجتمع الذي نعيش فيه.

وهي عملية تسير معنا في جميع مراحل حياتنا اليومية وعفوية فلا تحتاج لبرامج أو مرشد لها.

وقد قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه قبل ذلك يصف المؤمنين الحق الذين يتبعون النبي الأكرم محمد صلَّ الله عليه وآله ”لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا“ وهي خير تفسير للمصطلح حيث شملت على تقديم القدوة والأسوة الحسنة وهو الكامل في الخَلق والخُلق النبي الأكرم محمد ﷺ وكذلك شملت الصفات المختصة للسائرين على خطى القدوة والأسوة النبي الأكرم محمد ﷺ: كالثقة بالله سبحانه وتعالى، والإيمان بالمعاد، وأنهم يذكرون الله كثيراً.

والمدرسة الإسلامية التي شيد بناؤها النبي الأكرم وأهل بيته صلوات الله عليهم زاخرة وغنية بل وغزيرة بهذا المصطلح، وقد أولت جل اهتمامها وسلطت ضوئها بشكل خاص على المعلم «القدوة» وهو المحور الرئيسي والركيزة الأهم بل قطب الرحى في العملية التعليمية.

فقد ورد عن النبي الأكرم محمد صلَّ الله عليه وآله أنه قال: ”أوحى الله إلى عيسى بن مريم: عظ نفسك بحكمتي فإن انتفعت فعظ الناس وإلا فاستح مني“.

وعن أمير المؤمنين علي أنه قال ”من نصب نفسه للناس إماماً فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه“.

وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق أنه قال ”كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإن ذلك داعية“

ولأبي الأسود الدؤلي جميل القصيد..

يا أيها الرجل المعلم غيره *** هلا لنفسك كان ذا التعليم

تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى *** كيما يصح به وأنت سقيم

ونراك تصلح بالرشاد عقولنا *** أبداً وأنت من الرشاد عديم

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها *** فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يقبل إن وعظت ويقتدي *** بالقول منك وينفع التعليم

لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم

وهذه المصيبة التي قد يبتلى بها أي مجتمع عبر التاريخ عندما يتسلط على رقابه قادة ومعلمين يرشدون بألسنتهم ويخالفون بسيرتهم فترى من يعلمك الأدب والصدق والورع والتقوى ساقط في وحل الرذيلة والكذب والفسوق والعصيان، بل من يعلمك آداب المرور هم أول من يخالفوه وهنا المصيبة العظمى.

ونحن وفي هذه الفترة الزمنية في أمس الحاجة للقدوة الحسنة قولاً ومنهجاً وسلوكاً يقتبس منها الجيل الصاعد سمو الذات والأدب والأخلاق والفضيلة، فليس من المعقول أو المقبول أن تجد مربي «معلم» ناشر العلم والفكر والأدب والأخلاق وخير من يمشي على تراب الأرض - رفاعة الطهطاوي - يمزج سيرته العملية بشتى أنواع التجاوزات الخلقية الجديرة بالازدراء!!!.

لذا اختار الله سبحانه وتعالى النبي الأكرم محمد صلَّ الله عليه وآله قدوة للناس وأسوة للبشر في إيمانه وتوكله، في إخلاصه وشجاعته، في تنظيم أمره ونظافته، في زهده وتقواه.

ونختم ولعلَّ الرسالة وصلت براوية عن أمير المؤمنين علي أنه حدث عن النبي محمد صلَّ الله عليه وآله قال ”العلماء رجلان: رجل عالم أخذ بعلمه فهذا ناج، ورجل تارك لعلمه فهذا هالك، وإن أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه، وإن أشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبداً إلى الله عز وجل فاستجاب له، وقبل منه فأطاع الله، فأدخله الجنة، وأدخل الداعي إلى النار بتركه علمه“.

طبيب بيطري – ماجستير طب وقائي - القطيف