آخر تحديث: 25 / 1 / 2022م - 10:14 م

”شيل صورة كلب.. حط صورة خروف“

حسين العلق *

ضمن أحد مشاهد المسلسل الخليجي الشهير ”درب الزلق“ يعمل التاجر المبتدئ حسين بن عاقول على إقناع عامله الهندي ”غلام“ ليساعده في تسويق لحم الكلاب المعلب في الكويت، ولم يجد ”بن عاقول“ من طريقة لبيع لحم الكلاب إلا من خلال استبدال صورة الكلب الموجودة على العلب بصورة خروف، مخاطبا العامل بلهجة مكسرة ”شيل صورة كلب.. حط صورة خروف“!، إلا إن الخدعة سرعان ما انكشفت عندما أخذ الزبائن بالنباح بعد تناولهم لحم الكلاب!. حضرني هذا المشهد التمثيلي يوم أمس، وأنا أتابع الأخبار حول إعلان تنظيم جبهة النصرة الإرهابي في سوريا، عن تغيير مسمى التنظيم إلى جبهة فتح الشام، وزعم انفصاله تنظيميا عن الحركة الإرهابية الأم؛ تنظيم القاعدة. وفي هذه الخطوة من السذاجة ما يفوق - بمراحل - تغيير ”بن عاقول“ صورة الكلب إلى صورة الخروف!

لقد كانت مشكلة ارتباط جبهة النصرة بتنظيم القاعدة عقدة دائمة. فمن جهة لوثت الثورة السورية بوصمة الإرهاب القاعدي، ومن جهة أخرى جعلت الداعمين الدوليين للجماعات المسلحة في سوريا أمام ”معضلة“ أخلاقية، فكيف لهم أن يدعموا هذه الجماعات وهم يعلمون سلفا أن كل وسائل الدعم ستنتهي في نهاية المطاف بيد عدوهم اللدود تنظيم القاعدة، الذي يتسربل برداء النصرة. غير أن هذا لم يمنع بعض الداعمين من فتح جسر بحري وبري دائمين لتزويد تلك الجماعات بالسلاح والعتاد، تحت مسمى دعم جيش الفتح الذي كانت تمثل النصرة عماده الرئيس!. ومعنى هذا إن هناك صورة خروف آخر كانت مستخدمة سابقا!

قلت آنفا، إن مجرد تغيير مسمى ”النصرة“ إلى ”فتح الشام“ هي خطوة ساذجة، وأضيف أنها جاءت متأخرة ولا لزوم لها. فلا يمكن أن يتحول الذئب إلى حمل، كما لا يمكن أن يغير بائع ”الزِّقّ“ واجهة دكانه ليظهر للناس أنه يبيع الورد، إذ سيبقى الزق زقا والورد وردا. وحتى لا يهبط تفكيركم نزولا!، جاء في معجم المعاني، أن الزِّقّ هو وِعاءٌ مِنْ جِلْدٍ يُمْلأُ بِالْماءِ أَوِ اللَّبَنِ أَوِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهَا، وجمعه أَزْقاقٌ وزِقاقٌ. وقد كان من الدارج عند السلاطين القدماء أن ينادي أحدهم أحد عبيده بأن يناوله ”الزق“، كما و”يزقق“ ضيوفه أيضا، أبعدكم الله عن هذا كله!. ولا أظن بأن قادة جبهة النصرة بعيدين عن أجواء هذا ”الزق“ لكونهم تنظيما ماضويا في فكره وممارساته.

لابد من القول هنا، إن السطحية تمثل مشكلة لازمة لدى المتطرفين الدينيين في كل ملة ومذهب. فأمثال هؤلاء وبعد أن يملؤوا الآفاق تطرفا وتكفيرا وتبديعا ولا يزالون، تجدهم لا يترددون أحيانا في الإقدام على خطوة سطحية تافهة يظنون معها أنهم بذلك يغيرون صورتهم الشوهاء في أعين الآخرين. يستوي في ذلك الإرهابي الذي يغير جلده فجأة، والمتطرف الذي يشرع فجأة في توزيع باقات الزهور في التجمعات المدنية، أو نظيره الذي يقوم بحملة دعائية للتبرع بالدم للتغطية على ممارسة مرفوضة!. وليت هذا وذاك وضعا في الاعتبار أن مشكلتهم مع الآخرين لن يحلها هذا التسويق الفاشل للنفس، لأن مشكلتهم تكمن في مكان آخر، محوره الأساس النزعة التكفيرية المتطرفة التي لا توفر للمختلفين معهم حرمة ولا كرامة ولا اعتبارا.

وأخيرا، لمن يريد أن يمارس الفذلكة على طريقة ”بن عاقول“ بتغيير صورة الكلب إلى خروف، فله أن يفعل ذلك، ولكن لا ينبغي - بغبائه - أن يستهين بذكاء الآخرين!. ومما ورد في كتب ”الطيبين“ قصة - مطوّرة - للغراب والثعلب، إذ يحكى إن غرابا خطف قطعة جبن وذهب بها إلى شجرة فرآه الثعلب، فقال أيها الغراب ذا الصوت الجميل، غن لى، طمعا في أن يفتح الغراب فمه فتسقط الجبنة، فردّ عليه الغراب ”لا يكون تفكرني ذاك الغراب الأهبل راعي كتاب المطالعة القديم“!. يبدو إن إعلان تنظيم جبهة النصرة، عن تغيير اسمه إلى جبهة فتح الشام، وزعم انفصاله تنظيميا عن القاعدة، ”خرفنة“ مكشوفة جاءت لغاية في نفس ”بن عاقول وغلام الهندي“..

كاتب سعودي