آخر تحديث: 26 / 1 / 2022م - 12:41 ص

هوشات البدو والطروش والرافضة!

حسين العلق *

يبدو ان هناك من يعمل على دفع السعوديين نحو الصدام الداخلي بعضهم ببعض، عنصريا وطائفيا. هذا ما يمكن ملاحظته ببساطة نسبية من خلال الملاسنات الالكترونية المفتعلة بين السعوديين أنفسهم، والذين يحتل منهم تسعة ملايين مغرد فضاء التواصل الاجتماعي، وابرزها موقع ”تويتر“. وفي عينة عابرة، ربما يكفي للدلالة على ذلك، يمكن ملاحظة انطلاق عدة وسوم «هاشتاغ» في الأيام القليلة الماضية، في وقت متزامن تقريبا، كلها ذات طابع عنصري وطائفي متعلق بالمنطقة الغربية، وجميعها صبت باتجاه التحريض على فئة معينة من المواطنين، ومنها ”هاشتاغات“ #االسعوديين_يطالبون_بطرد_الطروش ، #اخرجو_البدو_المعفنين_من_جده ، #حسينيات_في_مدينه_الرسول ، #طرد_الروافض_من_المدينه . أقول ربما يكفي هذا لتلمس حقيقة الخطر المحدق بالتركيبة السكانية في البلاد. فمن يا ترى يقف خلف هذه التعبئة العنصرية والطائفية، ومن يدفع باتجاه الصدام الداخلي بين مكونات الوطن؟

وللإجابة على السؤال، يمكن القول إذا شئنا التفسير الأسهل، وغير المكلف، والذي لا يضر ولا ينفع، أن المسئولية ملقاة برمتها على الخارج واعداء الوطن، كما اعتادت صحافتنا قول ذلك، وكفى الله المؤمنين شرّ القتال!. وسيكون الموقف حينها أشبه بموقف الشاب ”السرسري“ الذي كان يطارد الفتيات في احدى بلدات المنطقة، ذات اللون المذهبي الواحد، وعندما ارتاب به شبان البلدة أوسعوه ضربا واقتادوه لمركز الشرطة، وعندما شرع الضابط في أخذ أقواله، لم يعدو عن الزعم بأنه تعرض للضرب لمجرد كونه من أتباع المذهب الآخر، وما ضربوه إلا لأنهم يكرهونه على هذا الأساس. فسبحان الذي قلب السرسري ”المغازلجي“ فجأة إلى أحد تابعي التابعين في القرن العشرين!. من هنا أجد بأن اعتبار كل ما يجري عندنا من منازاعات عنصرية وطائفية، وكأنه نتاج كراهية وكيد وعداوة الآخرين لنا بالجملة، هو أمر لا يخلو من تعسف ومبالغة، ولن أزيد بأن في ذلك صرف للأنظار عن حقيقة المشكلة وأسباب منشأها.

والحال أنه عوضا عن الإغراق في نظرية المؤامرة، ينبغي النظر من حولنا، ولنتأكد جيدا ما إذا كان منشأ النزعة العنصرية والطائفية آت من الخارج، أم هو نابع من صميم ثقافتنا المحلية بالدرجة الأساس. وليسأل كل منا نفسه، يا ترى من الذي درج على نعت أهالي الحجاز بالمجنسين والمسعودين وطروش البحر!، ومن يا ترى الذي يستميت ليل نهار في نعت المواطنين الشيعة بالرافضة ويحرض على قتلهم!، أظن بأن الإجابة على السؤالين واضحة جدا ”وما تحتاج عامل ارامكو“!.

وعلى نحو أكثر وضوحا، ينبغي أن نعترف أولا وقبل أي شيء، أن بيننا تيار عدواني متطرف يجمع بين العنصرية والطائفية على حد سواء. ولا أظن بأني أكشف سرا هنا، لو قلت بأن هؤلاء أنفسهم الذين يحرضون على المواطنين الشيعة في المنطقة الشرقية والمدينة المنورة لأسباب طائفية، هم أنفسهم الذين يدعون لطرد أهالي الحجاز ويسخرون منهم لأسباب عنصرية، فهذا بخاري وذاك تكروني والثالث أبو يمن..، هذا إذا استثنينا نبز الكثيرين منهم بالصوفية ووصمهم بالقبوريين!. والمثير ان بعض هذه الحملات منشأها حسابات في تويتر مقربة من تنظيم القاعدة، إلا ان ذلك لم يمنع بعض المتطرفين المحليين، وبعضها أسماء معروفة، من ركوب موجة التحريض هذه. من هنا يمكن القول أنه إذا كان هناك من ”مؤامرة“ فهي هذه التي تجري بأيدي هؤلاء الطائفيين والعنصرين من بني جلدتنا في الداخل قبل الخارج.

ان خطورة حملات التعبئة ضد المكونات الوطنية في الفضاء الالكتروني تكمن في تهيئتها الأرضية للشقاق والنزاع وتاليا الصدام. ولعل اطلالة على النزاعات المستعرة في محيطنا العربي، تكشف عن أن أغلب النزاعات لم تأت من فراغ، ولم تنفجر هكذا فجأة من لا شيء، وليس من الصحيح عزوها بالكامل للتدخلات الخارجية، وإنما الصحيح أن الأرضية النفسية كانت خصبة وجاهزة منذ زمن بعيد، نتيجة تصرفات أرباب الطائفية والعنصرية، حتى إذا انفلتت الأوضاع من عقالها انقلبت الدنيا إلى ”حارة كل مين ايدو الو“.

من هنا نقول، ان التعبئة العنصرية والطائفية في عالم التواصل الاجتماعي الذي يعج بالملايين من السعوديين، باتت تمثل خطرا حقيقيا يتهدد السلم الأهلي والتجانس السكاني في البلاد. كما يؤسس ذلك لصراعات كامنة.

ولذلك ينبغي أن يرفع الغطاء عن كل المتورطين في في تلك الحملات، ووقفهم عند حدهم والضرب على أيديهم بلا هوادة، لعل وعسى يجري الحد من هوشات البدو والطروش والرافضة! قبل أن تقع الفأس في الرأس، ولات ساعة مندم.

كاتب سعودي