آخر تحديث: 25 / 1 / 2022م - 10:14 م

حرب الألف عام بين السنة والشيعة!

حسين العلق *

شكلت دعوة عضو هيئة كبار العلماء في المملكة الشيخ عبدالله المنيع لحوار بين السنة والشيعة مفاجئة للجميع تقريبا. وبعيدا عن اللغط الذي صاحب الدعوة، إلا انها تبقى دعوة مهمة، فأي دعوة للحوار بين الناس هي دعوة طيبة من حيث الجوهر. ولعل ما يكسب هذه الدعوة أهميتها هي مكانة الرجل، فهو بالإضافة إلى موقعه الرسمي ضمن أعلى هيئة دينية رسمية في البلاد، فهو يحظى بموقعية معروفة كونه مستشارا مسموع الكلمة عند صناع القرار. ولعل ما شاب دعوة الشيخ المنيع للحوار، أول الأمر، هو ما برز من فوقية لافتة، لا تنسجم أصلا والدعوة للحوار، ناهيك عن أنها جائت، من منطلق عقدي محتكر للحق المطلق، وهذا وحده كفيل بتقويض الدعوة من أساسها.

نقول ذلك مع علمنا بإستدراك الشيخ المنيع في تصريح لاحق لهذا الخطأ الكارثي. ودعوته مجددا لإيجاد حوار بين عقلاء وعلماء السنة.. وعقلاء وعلماء الشيعة لمحاولة تقريب التباعد والنظر في الخلاف تحت مرجعية كتاب الله وسنة نبيه بحسب صحيفة ”سبق“. ولذلك لا أريد التوقف مطولا في هذا المقام عند الملابسات التي شابت تصريح الشيخ المنيع، بقدر ما نطمح للبناء على هذه الدعوة، أخذا في الإعتبار عدد من الملاحظات.

ولعل أولى الملاحظات المهمة لنجاح أي حوار اسلامي «سني شيعي» هو أن لا يقوم على أساس عقدي. وبعبارة أوضح، المسلمون اليوم وبعد ألف عام من السجالات العقدية العقيمة، لم يعودوا في حاجة إلى سجال جديد على طريقة روى شعيط وقال معيط، فجميع المذاهب الإسلامية ومنذ زمن بعيد استقر كل منها على موروثه الخاص واتخذ شكله النهائي، ولم يعد ينتظر أتباع أي مذهب من أتباع المذهب الآخر أن يبينوا لهم الحق!. فما عسى يقول المتشاكسون الجدد أكثر مما قاله من سبقهم، وهل يا ترى يستحق التأثير على قناعات قلة نادرة ضمن هذا الفريق المذهبي أو ذاك، كل هذا الجدل والتشاتم والسباب، الذي لم ينتج عنه سوى تهيئة الأرضية الطائفية لسيل الدماء الواقع في الأمة اليوم.

إن كل المذاهب الإسلامية في الأمة تؤمن بمرجعية الكتاب والسنة، ولذلك نحن نختلف كليا مع الشيخ المنيع ضمن جزئية ”النظر في الخلاف تحت مرجعية كتاب الله وسنة نبيه“. وعوضا عن ذلك نقترح وضع أهداف عملية للحوار، أهداف قابلة للتحقق والقياس، فذلك أفضل ألف مرة من الغوص في قضايا الخلاف العقدي التي لم ولن يحسم القول فيها حتى لو تحاورنا ألف سنة أخرى.

وحتى أكون أكثر تحديدا، أقول انه بالنظر للظروف التعيسة التي تمر بها الأمة، ينبغي أن يضع الحوار الاسلامي «السني الشيعي»، فيما لو كتب له أن يرى النور، أهدافا واقعية قابلة للتحقق. وليس هناك أهم وأشرف وأنبل من أن يستهدف أي حوار إسلامي إسلامي، التوصل إلى الإقرار، أولا وقبل كل شيء، بأن دين الإسلام دين الرحمة المهداة للبشرية جمعاء، واعتبار جميع الناس معصومي الدم والعرض والمال، بصرف النظر عن أديانهم وطوائفهم التي ينتمون لها. ثانيا، أن لا يدّعي أحد في الأمة احتكار الدين والحقيقة المطلقة في فئته أو طائفته، وعلى نحو أكثر تحديدا، ينبغي الإكتفاء بأن كل من شهد الشهادتين، فهو مسلم معصوم الدم والعرض والمال، بغض النظر عن المذهب الفقهي الذي انتمى إليه. ثالثا، أن يتفق الجميع على اسكات الحملات الطائفية المتبادلة، وعدم إعارة الأصوات الشاذة من الطرفين أي انتباه.

رابعا، والأهم من جميع ما سبق، هو أن يستهدف أي حوار سني شيعي الفصل بين السياسي والديني في الأزمات الراهنة في الأمة. فلسنا بحاجة إلى تطييف كل نزاع ملتبس، وإظهار كل خلاف سياسي يشترك فيه السنة والشيعة وكأن طائفة تريد القضاء على الأخرى. إن النزاعات الدموية الشرسة التي باتت تمزق الأمة، هي في جوهرها أزمات سياسية محضة، وذات أغراض سياسية هدفها النهائي المشاركة في السلطة في الحد الأدنى، والاستحواذ في حدها الأقصى، وهذا هو الحال بين المتقاتلين السنة في افغانستان والصومال والسودان وليبيا ومصر، فلماذا عندما تصل النوبة إلى البلاد التي يشترك فيها السنة والشيعة كالعراق وسوريا أو البحرين تظهر كل عفاريت الطائفية النتنة!. ولذلك ينبغي في أسوأ الأحوال النظر لجميع النزاعات القائمة في الأمة باعتبارها نزاعات سياسية من حيث الأسباب والأغراض. فالمتناحرون على السلطة في كل الدنيا هم على حد سواء، سواء كانوا مسيحيين في جنوب السودان أو مسلمين سنة في ليبيا أو خليط قومي وطائفي في سوريا. وعليه، ينبغي في كل الأحوال النأي عن إسباغ أي خلاف سياسي في أي بلد مسلم بصبغة طائفية، وإنما حصره ضمن دائرة الخلاف السياسي والسعي لمحاصرته ومعالجته على هذا الأساس.

من هنا، نحن في الوقت الذي نقدر فيه أي دعوة للحوار بين أبناء الأمة، نشدد في الوقت عينه على أهمية وضع أهداف واقعية قابلة للتحقق عوضا عن الخوض في الجدليات البائسة. ولا شيء أولى وأهم من اتفاق أعلى الهيئات الدينية في الأمة على الإقرار بحرمة الدماء والأعراض والأموال وحفظ كرامة الناس واحترام رموزهم ومقدساتهم، بدلا عن البحث عن تسجيل النقاط كل على الطرف الآخر، ضمن سجالات عقيمة لا تفرق كثيرا عن صراع الديكة.

عندما التقى رأس الكنيسة الكاثوليكية البابا فرانسيس في فبراير الماضي غريمه بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية بعد ألف سنة من النزاع الشرس بين الطائفتين، دعا الأول إلى استعادة الوحدة المسيحية لإنقاذ المسيحيين الذين يواجهون تهديدا بسبب العنف في الشرق الأوسط. وقال البابا عندما التقى البطريرك الروسي ”على الأقل التقينا. نحن أخوة.“. فهل كثير على المتربعين على هرم الهيئات الدينية في نجد والنجف والقاهرة وقم، أن يتعلموا من الآخرين أن يلتقوا لغرض إنهاء حرب الألف سنة فيما بينهم، وانقاذ المسلمين والمنطقة من الوحل الطائفي الذي تغرق فيه؟. التفاؤل ليس حراما، فلنأمل أن تكون دعوة الشيخ المنيع خطوة في هذا الإتجاه!

كاتب سعودي