آخر تحديث: 26 / 1 / 2022م - 12:41 ص

القطيف والأربعين حرامي!

حسين العلق *

تعالوا معي نتخيّل ما سيجري لو توسعنا قليلا في تطبيق القاعدة الفقهية المتحجرة ”باب سدّ الذرائع“، المحببة لدى المتطرفين الدينيين. وذهبنا إلى تطبيق هذه القاعدة - وترجمتها بالعامية ان ”الباب اللي يجي منه الريح سده واستريح“ - في كل شئون حياتنا اليومية!، وتبعا لذلك قررنا مثلا أن نمنع قيادة السيارات في العاصمة الرياض لأنها تحتل المرتبة الأولى في نسبة القتلى في حوادث الطرق سنويا! كما قررنا أيضا أن نغلق المستشفيات في حائل والقريات وجدة وصبياء نتيجة العديد من حوادث العنف واطلاق النار والاعتداءات على طواقم التمريض في المستشفيات!. حسنا يا سادة، انتهى وقت الخيال، فالقاعدة الفقهية أعلاه، يجري منذ فترة تطبيقها حرفيا عندنا في محافظة القطيف!.

ولتبسيط الأمر أورد شاهدين على تطبيق سياسية ”سدّ الذرائع“ في غير محلها، وعلى نحو أرعن، في محافظة القطيف تحديدا. الأول عندما تعرضت حافلة خاصة بنقل موظفي شركة ارامكو للحرق على يد مجهول قبل نحو ستة أشهر، فتوقفت الشركة اعتبارا من اليوم التالي عن ارسال حافلاتها لكل مدن وقرى محافظة القطيف!، أما الثاني فهو امتناع البنوك المحلية عن تغذية أجهزة الصراف الآلي بالنقود في كل مدن وقرى محافظة القطيف بعد مقتل شرطين يحرسان سيارة نقل أموال في الشهر نفسه على يد مجرمين، في حادثة استنكرها في حينه أهالي المحافظة!. وهكذا لايزال يدفع الآلاف من موظفي شركة ارامكو في القطيف ثمن اعتداء واحد، كما لايزال عشرات الالاف يتكبدون العناء في تدبير المال نقدا، ويصطفون طوابير على أبواب البنوك، نتيجة اعتداء واحد أيضا. ولا يدري أحد على وجه التحديد من يقف خلف هذه السياسة الغريبة، في التعامل مع أهالي المنطقة، هل هي ادارة ارامكو في الحالة الأول، أم مؤسسة النقد وادارات البنوك في الحالة الثانية!

هنا لا أريد أن أستعيد ما يبديه الأهالي في المجالس والصحف الالكترونية وعلى صفحاتهم الخاصة عبر مواقع التواصل الإجتماعي، من غضب وامتعاض كبيرين جراء ما يعتبرونه قرارات ارتجالية وعقابا جماعيا. ولكني أريد أن الفت النظر إلى جانب واحد من التداعيات الخطيرة التي قد تتركها هذه القرارات، غير المدروسة بعناية، على سائر الناس وتأثير ذلك على سمعة وأمن البلاد.

ان أخطر التداعيات غير الملموسة لسياسة العقاب الجماعي الراهنة، هي أنه وبحكم الأمر الواقع بات باستطاعة بضعة حرامية ومجرمين، أن يفرضوا معادلتهم على الأرض رغما عن انوف الجميع!. فيكفي أن يرتكب حرامي واحد جريمة قتل وسطو على سيارة نقل أموال حتى تخضع له مؤسسة النقد العربي السعودي وكل البنوك المحلية، ومن خلفهم كل درويات الشرطة في المحافظة!، فلا يستطيع بعدها ”شنب“ واحد منهم أن يقرر ارسال سيارة نقل أموال واحدة لتغذية أجهزة الصراف الآلي في طول القطيف وعرضها!. فهل هناك سقوطا مريعا لهيبة هذه المؤسسات في أعين الناس أكثر من هذا.

وللتوضيح أكثر، أقول للمعنيين بالأمر، أنكم بسياستكم هذه، يا سادة يا محترمين، تعطون للحرامية والمجرمين أحجاما كبيرة إلى درجة تساوونهم بكم، بل وتجعلون سلطتهم أقوى من سلطتكم!. وبعبارة أخرى أشد وضوحا، أنتم تدفعون الجميع لطرح السؤال عمّن يفرض ارادته على الشارع فعليا، وما إذا بتنا نعيش زمن القطيف والأربعين حرامي!!. ان هذه الرسالة المؤلمة تبدو واضحة وضوح الشمس حين ترضخ أكبر شركة بترول في العالم لتصرف أحمق يقوم به معتوه في منطقة، فتعاقب لأجل ذلك كل موظفيها في تلك المنطقة!. وذات الرسالة تبدو كرائعة النهار حين يخيّل لحرامي وقاتل أنه استطاع أن يجبر مؤسسة النقد ومن ورائها كل البنوك على الركوع تحت فوهة بندقيته. هل رأيتم إلى أي درجة تبدون في نظر الناس ”يا متعلمين يا بتوع المدارس“!

أقول أخيرا، إذا كانت سياسة ”الباب اللي يجي منه الريح..“ تنسجم كثيرا مع العقلية الدينية المتحجرة، و- كانت سياسة ”ربوا عيالكم“ تلائم عقلية مدير المدرسة الفاشل، فإن مثل هذه السياسات لا تليق أبدا بمؤسسات كبرى وجهات رفيعة من واجبها خدمة الجميع على قدم المساواة، في كل الأحوال وتحت كل الظروف. فهل نترقب من المعنيين أن يلتفتوا الى حساسية الأوضاع الراهنة، وتداعياتها على هيبتهم هم أنفسهم قبل أي طرف آخر، والأهم أن يضعوا المجرمين وحدهم تحت مطرقة القضاء، لا أن يدفع عموم الناس ثمن حماقات بضعة حرامية لا بارك الله فيهم!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
سيد علوي الصفواني
[ صفوى ]: 11 / 6 / 2016م - 5:27 م
السؤال هو كيف نحول التهديد الى فرصه؟
في الثمانينات كان هناك عقاب جماعي بعدم دخول الشيعة للعمل بشركة ارامكو.
تحول هذا العقاب الاقتصادي الى فرصة،
فقد التحق آلاف الشباب بالجامعات والمعاهد وبالمؤسسات والشركات الأخرى ووصلوا الى أعلى المراكز وحصلوا على أعلى الشهادات.
هؤلاء الشباب كانوا قبل ذلك يلتحقون بشركة ارامكو لتحرق طاقاتهم من اجل حفنة من الريالات.
2
محمد ولد الداد
[ القطيف ]: 11 / 6 / 2016م - 7:51 م
اللي مسبب لي الراحة النفسية ان عدد صرافات الرياض اضعاف القطيف وعدد حراميتها اضعاف حرامية القطيف .
لكن جهاز الامن واحد
فاذا سمع حرامية الرياض بما يحصل بالقطيف
فانهم يشتد عودهم وتقوى شوكتهم اكثر واكثر .
كاتب سعودي