آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

كتب الفلسفة أم كتب الطبخ؟

حسين رضي الضوء *

تكثر في أوساط القرّاء الشباب مواضيع تحت عنوان القراءة الهادفة أو القراءة المنتجة أو القراءة المفيدة، والتي ترتبط بشكل مباشر بسؤال ”ما هي الكتب المفيدة والتي تستحق القراءة؟“، وهذه الأسئلة والعناوين عامة ومفرغة من أي معنى أو مدلول، بل في كثير من الأحيان تزيد من لبس أسباب القراءة وأهدافها، وذلك لأن أكثر من يطرح هذه المواضيع يعتقدون بوجود معرفة أو محتوى أفضل من معرفة أخرى.

لو طرحنا سؤالاً، أيهما أفضل، كتب الفلسفة أم كتب الطبخ والأنظمة الغذائية؟

معظم من يبحثون عن الكتب التي تستحق القراءة، إن لم يكن جميعهم، يفاضلون بين الكتب على أن علم معين أفضل من آخر، أو أن معرفة معينة أفضل من أخرى، وعليه فهم يجدون أسئلة مشابهة لما ذكرت سلفا سهلة الإجابة، ”كتب الفلسفة أفضل دون شك“. وهنا أطرح سؤالاً، بأي معنى تكون كتب الفلسفة أفضل؟ هل محتوى المعرفة الفلسفية أفضل من محتوى المعرفة في الطبخ؟ هل يصح أن نقول بأن الفيزياء كعلم أفضل من الكيمياء كعلم؟

المفاضلة بين محتوى العلوم والمعارف مفاضلة لا معنى لها، ولذلك إذا أردنا المقارنة بين الكتب علينا أن نضع أولويات وأهداف.

لو فرضنا أن هناك قارئاً غير مستقر مادياً وهو بصدد بدء مشروع لتحسين مستواه المعيشي. وكان مشروعه خدمات استشارية لوصفات وأنظمة غذائية لمختلف الأغراض «بناء أجسام، تخسيس.. وغيرها»، فإن من أولويات هذا القارئ تحسين مستواه المعيشي عبر هذا المشروع، فبالتالي ما يفيده هو معرفة أهمية وتأثير الكربوهيدرات والبروتين والفيتامينات والأحماض الأمينية في الجسم، أما الفلسفة التجريبية والعقلائية وما قاله نيتشه وهيغل وكانط، لا تعني بالنسبة له شيئاً مهماً لأنها لا تخدم ما يتربع في أعلى هرم أولوياته.

قد يكون المثال السابق متطرف قليلا إذ لا يوجد قارئ، في مجتمعنا على الأقل، غير مستقر مادياً بل أغلب القرّاء من الطبقة الوسطى التي تعتبر مترفة قليلا فهم يشترون الكتب فقط لأنهم يمتلكون متسع من الوقت. وإنما غرض المثال السابق لتوضيح أهمية تحديد الأهداف وترتيب الأولويات في اقتناء الكتب.

ماذا عن شاعرٍ يستعد لتحضير نفسه للمشاركة في مسابقات إقليمية أو عالمية في الشعر لتحقيق إنجاز شخصي، وهو يعتبر ذلك من الأولويات التي يجب إنجازها؟ ما أهمية كتب الاجتماع أو الرواية بالنسبة له؟ وهل هناك ما يفيده غير كتب الشعر؟

تحديد الأولويات مسألة شخصية تعتمد على ظروف الشخص ورغبته وحوافزه وأهدافه، وتكون ناتجة عن قناعة الشخص لا القرّاء الآخرين وما يتوقعونه منه أو متطلبات المجتمع وضغوطه.

مما هو معروف أيضاً في كثير من الشركات أن التقييم السنوي لا يتم إلا إذا وُضعت أهداف للموظف كي ينجزها، وذلك ليس لاحتياج الشركة لإنجاز تلك المهام فقط وإنما لا يمكن تقييم أداء الموظف إلا عبر تقدير ما أنجزه بناءً على تلك الأهداف. تماماً الكتب، لا يتم تقييمها إلا إذا وضع القارئ هدفاً لنفسه يريد الوصول إليه عبر هذه الكتب، ففي هذه الحالة تكون الكتب كالموظف، والقارئ كالشركة التي تحدد الأهداف وتقيم الكتب بناءً عليها.

أين تكمن المشكلة؟

لا يخطر ببال الكثير من القرّاء أن ما يحركه لشراء كتب في مواضيع معينة دون غيرها هو اعتبار هذه المواضيع ذات أولوية بالنسبة له، وتكمن المشكلة عندما يحاول هذا القارئ إسقاط أولوياته على القراء الآخرين، فهو يحاول أن يعطي كتب الأدب والروايات أفضلية بشكل مطلق، أو كتب السياسة والإصلاح أولوية على غيرها من الكتب فقط لأنها في هرم أولوياته. هذا ما يخص القرّاء الجادين، أما من يقتني العناوين الضخمة لشهرتها ويقرأ ما يقرأه الجميع لأنه معروف، ويسخّف كل من لا يقرأ مثله، فمثل هؤلاء لا ينبغي الالتفات إليهم.

إذاً، تصح المقارنة بين الكتب إذا وضعناها أمام أهداف نحن من وضعها كقراء بناء على أولوياتنا، عندها تصبح الكتب على خط واضح، وبالتالي يصبح للمقارنة معنى ملموس. وبناءً على هذا المقياس فإن ”غالبا“، وليس دائماً، ما تكون الكتب ذات الموضوع الواحد هي ما يصح مقارنتها ببعضها البعض.

قد يظن البعض أنه من البديهي أن لا نقارن الا المتشابهات أي لا نقارن الكتب الا ذات الموضوع الواحد ومنها نعرف الجيد والرديء. ولكن ليست مشكلة القرّاء ومن يبحثون عن الكتب المفيدة في معرفة تلك الفكرة البديهية نظرياً وإنما في تطبيقها على أرض الواقع، فترى القرّاء عندما يبحثون مثل هذا الموضوع يتخبطون بين تسفيه مواضيع معرفية ككل أو أدبية أو غيرها، وإعلاء أو تقديس معارف أخرى، وهم لا يعلمون بفعلهم هذا يسفهون بشكل غير مباشر أهداف وأولويات غيرهم، فقط لأنها لا تتوافق مع أولوياتهم.

ولتتأكد من ذلك، في المرة القادمة عندما تقابل قارئاً اسأله أيهما أفضل كتب الفلسفة أم كتب الطبخ؟

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
عبدالله سعيد
[ القطيف ]: 2 / 4 / 2016م - 3:39 م
بالتأكيد كتب الطبخ طبعا ،، لكون الطبخ غذاء ومتعة الأكل
و الفلسفة هي التشكيك وهلاك العقل
القطيف