آخر تحديث: 25 / 1 / 2022م - 11:21 م

رحيل غريندايزر!

حسين أنور السنان صحيفة اليوم

الأجيال الحالية من مواليد السبعينات وبداية الثمانينات الميلادية يتذكرون جيدا البرامج والمسلسلات التليفزيونية التي كانت تعرض على شاشات القنوات التلفزيونية الرسمية لدول الخليج العربي والتي كان بعضها ينتج محليا عبر مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربي والبعض الآخر المستورد الذي كان عبارة عن أعمال كرتونية أجنبية تتم دبلجتها محليا كالمسلسل الشهير غريندايزر وسندباد وحكايات عالمية وغيرها الكثير من الأعمال التي مازالت عالقة بذاكرة تلك الأجيال.

يراودني الحنين دائما وكغيري من أبناء جيلي إلى تلك الأعمال الخالدة التي تنطوي على كم هائل من الآداب والمعاني والحكم السامية التربوية والأخلاقية الراقية التي شكلت الوعي الابتدائي لنا ونحن أطفال صغار، فمثلا مسلسل غريندايزر الذي كان يجذبنا إليه عنصر المغامرة والتشويق متمثلا في «دايسكي» الشاب القادم من كوكب «فليت» والرجل الآلي الضخم «دايزر» الذي يحارب به الأعداء المترصدين الشر بكوكب الأرض، ذلك المسلسل كان يحمل الكثير من المعاني الأخلاقية السامية ويتضمن رسالة السلام والمحبة التي تعتبر كوكب الأرض وطنا واحدا يتفانى سكانه بالدفاع عنه

وحمايته من الأشرار وكانت تلك المعاني تنغرس في نفوسنا بصورة سهلة في قالب جميل وبلغة عربية صحيحة ومراقبة تربوية فاحصة تقدم لنا ما يتناسب مع عاداتنا وقيمنا عبر نخبة من الممثلين الذين تمت دبلجة شخصيات المسلسل بأصواتهم الجميلة كالفنان الكبير جهاد الأطرش الذي قدم لنا شخصية «دايسكي» بصوته المميز.

إلى أبي وأمي مع التحية المسلسل الكويتي الشهير بجزءيه الاول والثاني تناول هموم ومشاكل الأسرة الخليجية بصورة واقعية تربوية راقية دون تكلف أو اسفاف حيث كان هناك انسجام رائع بين الممثلين الذين كنت أظن أنهم بالفعل عائلة حقيقية، شاهدنا يومياتها وكيفية تعاطيها مع المشاكل وحلها في قالب راق وليس كما يعرض الآن في أغلب الأعمال الدرامية الخليجية التي تصور العائلة الخليجية بصورة سوداء قاتمة وبشعة ملؤها العنف والمؤامرات والخيانة والتفكك، حتى أن المتابع العربي البعيد عن المجتمعات الخليجية ليظن أن هذه الصورة أصبحت ظاهرة عامة في كل بيت خليجي!

لا يخلو زمن من الهموم والمشاكل، حتى في فترة السبعينات والثمانينات تلك الفترات الذهبية للدراما الخليجية كان هناك الكثير من القضايا والمشاكل التي واجهتها المجتمعات وتناولتها بإطار تربوي سليم يستعرض المشكلة ويطرح حلولها وأساليب معالجتها، وهذه وظيفة من وظائف الدراما الموجهة إلى الطفل والأسرة بالخصوص. من جانب آخر وكدليل على خلود تلك الأعمال وتميزها هو أن بعض الفضائيات في يومنا هذا ما زالت تعيد عرض تلك المسلسلات القديمة بين فترة وأخرى وتلقى إقبالا جماهيريا ممتازا من جميع الفئات العمرية.

من الأمور الإيجابية في زمننا هذا تطور وسائل الاتصال والتواصل التي أتاحت لي الفرصة بتقديم تلك الأعمال الجميلة الراقية إلى أبنائي من مسلسلات كرتونية ودرامية والتي بالرغم من قدمها إلا أنها مازالت تجذبهم وتمتعهم وهذا هو سر النجاح والتميز أن تظل تشاهد تلك الأعمال لأكثر من ثلاثين عاما دون ملل ودون أن تفقد بريقها، في الواقع انا اعاني كما يعاني الكثير من الأصدقاء من أبناء جيلي من حالة من «النوستليجا» أو كما تعرف بالحنين إلى الماضي والرغبة بالرجوع له والعيش فيه، ولهذا فإنني توقفت منذ مدة طويلة عن متابعة الأعمال الفنية الجديدة ولا أدري هل حكمي عليها مازال في محله أم أن هناك تغيرا وتجديدا يعوضنا عن غياب دور مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك الذي لعبته في الثمانينات وعن رحيل غريندايزر و«ربعه»؟!