آخر تحديث: 6 / 12 / 2021م - 11:52 م

شيعة الخليج وسؤال العلاقة مع الشريك الوطني

محمد المحفوظ *

تتعدد الصيغ والمقاربات التي تناقش مسألة وموقع ودور الشيعة في مجتمعاتهم الخليجية.. ألا أن القاسم المشترك بين جميع هذه الصيغ والمقاربات هو إنطلاقهم من قناعة مركزية مفادها: أنه على ضوء تطورات المنطقة المتلاحقة، وإتساع دائرة الخلاف والتباين في الرؤى والمواقف السياسية من ملفات عديدة في المنطقة بين إيران والدول العربية، يجعل الكثير من الأقلام تتجه إلى مناقشة هذه المسألة في ظل احتدام الصراع والتنافس بين إيران والكثير من الدول العربية في المنطقة.. وعلى كل حال ما أود أن أقوله في هذا السياق أن الشيعة في الخليج ليسوا استثناءا عن مجتمعاتهم، وإنما هم جزء أصيل من مجتمعاتهم.. ولعلنا نرتكب خطيئة تاريخية بحق تاريخنا ومسيرة مجتمعاتنا العربية، حينما نتعامل مع الشيعة في الخليج، بوصفهم مجتمعا مغلقا وغير منسجم مع محيطه العربي.. فالانتماء المذهبي للشيعة أو لغيرهم، ليس بديلا عن انتماءاتهم الوطنية والقومية.. وإن دفع الأمور باتجاه خلق مقايضة ثنائية بين الانتماء المذهبي والانتماء القومي، هو يضر بطبيعة العلاقة بين المسلمين بكل مدارسهم الكلامية والفقهية، كما يضر بالعلاقات الداخلية بين مكونات المجتمع العربي الواحد..

فالشيعة في الخليج وإن امتلكوا خصوصيات ثقافية ومذهبية، فإنهم ليسوا جالية تعيش في الخليج، ولا يصح التعامل مع قضاياهم ومطالبهم ومشاكلهم وكأنهم جالية وافدة إلى الخليج.. هم جزء أصيل من منطقة الخليج، ولهم مساهماتهم التاريخية في الدفاع عن وجودهم العربي وقضايا الأمة العربية..

كما أنهم كأي مجتمع آخر، ليسوا إطارا مغلقا وبتعبير أكثر وضوحا ليسوا حزبا سياسيا، وإنما هم مثل أي مجتمع يحتضن آراء وقناعات وميولات وتوجهات مختلفة ومتعددة.. ولا يجوز التعامل معهم بوصفهم كتلة بشرية مغلقة..

وانطلاقا من هذه المقدمات الاجتماعية والفكرية والتاريخية، سنناقش طبيعة العلاقة المأمولة بين الشيعة في الخليج ومحيطهم الاجتماعي والسياسي الخليجي.. مع إدراكنا التام أن الشيعة الخليج ليسوا كتلة واحدة أو بمستوى واحد في علاقتهم مع محيطهم الاجتماعي والقومي.. فهناك وجودات شيعية قطعت خطوات كبرى ونوعية في اندماجهم في محيطهم الوطني والقومي.. وهناك وجودات أخرى تحاول وتكافح في هذا السبيل.. كما أن هناك وجودات قبلت بخيار الانعزال والانكفاء في ظل هجمة طائفية مقيتة يؤخذ الجميع بجريرة البعض..

لعلنا لا نبالغ ولأسباب عديدة ذاتية وموضوعية، فإن من أهم التحديات التي تواجه الشيعة المعاصرون في مجتمعاتهم هو طبيعة علاقتهم مع محيطهم.. إذ أن هذه المسألة بكل عناوينها وحمولتها السياسية والمعرفية والاجتماعية، تشكل من أهم المسائل، التي تتعدد فيها آراء واتجاهات الشيعة فيها..

وبعيدا عن المضاربات الأيدلوجية، أرى أن الشيعة في كل مجتمعاتهم، معنيون بشكل مباشر على صياغة رؤية متكاملة لطبيعة علاقتهم مع محيطهم وشركاءهم في الوطن..

وأرى أن محددات هذه العلاقة هي:

أولا: نقد الطائفية والخطاب الطائفي:

ثمة سباق محموم ومريب في آن في الساحات العربية والإسلامية التي يتواجد فيها تعدديات دينية ومذهبية.. فجميع الأطراف المذهبية اليوم، تتحدث عن مظلومية قد لحقت بها، وتعمل في ظل هذه الظروف لإنهاء هذه المظلومية والقبض على حقائق الإنصاف التي افتقدتها منذ فترة زمنية طويلة..

وهذا المنطق لا يقتصر على فئة دون أخرى، بل هو يشمل جميع الفئات والمكونات..

والذي يثير الهلع والخوف على حاضر ومستقبل هذه المجتمعات والأوطان، هو شعور الجميع أن حقه المغتصب موجود لدى الطرف والمكون الآخر.. فالجميع يطالب الجميع، والكل يشعر بالظلم من الكل.. ونحن هنا لا نود التدقيق في هذه الإدعاءات ومدى صوابيتها وأحقيتها، وإنما ما نود التأكيد عليه وإبرازه أن هذا السباق المحموم نحو الصراعات الطائفية والفتن المذهبية، لا يستثنى أحدا.. فالطرف الغالب والمسيطر يعمل على إدامة سيطرته، دون الالتفات إلى حقوق الأطراف والمكونات الأخرى..

والأطراف المغلوبة تشعر أن هذا الزمن بتحولاته المتسارعة هو الزمن النموذجي للمطالبة بالإنصاف والحقوق.. وكل طرف يعمل عبر وسائل عديدة لإبراز أحقيته، وأن حقوقه المستلبة هي موجودة لدى الطرف والمكون الآخر.. مما يوفر للسجالات المذهبية والفتن الطائفية، أبعادا أخرى، تمس الاستقرار السياسي والاجتماعي في كل المجتمعات التي تحتضن تعدديات وتنوعات دينية ومذهبية.. ونحن نعتقد أن استمرار عمليات التحريض الطائفي، ودفع الأمور نحو الصدام بين أهل الطوائف والمذاهب، هو مضر للجميع ولا رابح من وراءه..

لأن الحروب الطائفية لها دينامية خطيرة، لا يمكن لأي طرف أن يتحكم فيها.. لهذا فإننا نرى أن اللعب بالنار الطائفية، من المخاطر الجسيمة التي تلقي بشررها على الجميع..

وفي سياق نقد الطائفية في مجتمعاتنا، وضرورة العمل على إيقاف الفتن الطائفية المقيتة نود التأكيد على النقاط التالية:

1 - من الضروري التفريق بين حالة التمذهب الكلامي والفقهي وبين النزعة الطائفية.. فمن حق الجميع في الدائرة الإسلامية والإنسانية، أن يلتزم بمدرسة عقدية أو فقهية، لأن عملية التمذهب الفقهي هي من خواص كل إنسان..

ولا يحق لأي إنسان أن يعارض خيارات الإنسان الآخر «الفردية».. وهذا الحق ينبغي أن يكفل للجميع، بصرف النظر عن نظرتنا وموقفنا من الحالة المذهبية التي تمذهب بها هذا الإنسان أو ذاك.. لأن الإنسان بطبعه ميال ونزاع إلى تعميم قناعاته ومرتكزاته العقدية أو الفلسفية، ولكن هذا الميل والنزوع لا يشرع لأي إنسان، أن يمارس القسر والفرض لتعميم قناعاته وأفكاره..

فالتمذهب حالة طبيعية في حياة الإنسان، وهي من خواصه كفرد في الوجود الإنساني.. ولكن إذا تطورت عملية النزوع والميل لتعميم القناعات إلى استخدام وسائل العنف بكل مستوياتها، حينذاك تتحول حالة التمذهب الطبيعية والسوية إلى نزعة طائفية مقيتة ومرفوضة..

فرفضنا للنزعات الطائفية، لا يعني بأي حال من الأحوال، رفضنا لحالات التمذهب والالتزام القيمي لكل إنسان.. فمن حق الإنسان «أي إنسان» أن يلتزم برؤية ومنظومة فكرية ومذهبية معينة، ولكن ليس من حقه أن يقسر الناس على هذا الالتزام وهذه الرؤية.. لأن عملية القسر والعنف في تعميم قناعات وعقائد الذات، هي ذاتها النزعة الطائفية، التي تشحن النفوس والعقول بأغلال وأحقاد اتجاه الطرف المذهبي أو الطائفي الآخر..

لهذا فإننا نعتقد وعلى ضوء هذه الرؤية التي تميز بين حالة التمذهب والحالة الطائفية.. أن التعددية الدينية والمذهبية في أي مجتمع، ليس مشكلة بحد ذاتها، بل هي معطى واقعي إذا تم التعامل معه بحكمة وبوعي حضاري، يكون عامل إثراء لهذا الوطن أو ذاك المجتمع..

وإن المشكلة الحقيقية تبدأ بالبروز، حينما تفشل النخب السياسية والثقافية من التعامل الإيجابي مع حقائق التعدد الديني والتنوع المذهبي..

2 - إن النزوع إلى تفسير الأحداث والتطورات السياسية والاجتماعية والثقافية في مجتمعاتنا وفق النسق الطائفي والمذهبي، يساهم في خلق المزيد من التوترات والتشنجات..

إذ يعمل البعض ووفق رؤية أيدلوجية مغلقة، إلى التعامل مع المجتمعات المذهبية، وكأنها مجتمعات ذات لون واحد ورأي واحد، وتسعى جميعها من أجل أجندة واحدة.. فيتم التعامل مع هذه المجتمعات، وكأنها حزبا شموليا لا يمكن أن تتعدد فيه الآراء أو تتباين فيه المواقف.. ومهما حاولت لإعادة الأمور إلى ميزانها الموضوعي على هذا الصعيد فإنك تقابل بالاتهامات وسوء الظن الذي يسوغ لصاحب التحليل أو الموقف الأيدلوجي الذي لا يتزحزح حتى ولو كانت الحقائق مناقضة لهذا الموقف..

فنحن كآحاد بصرف النظر عن عقائدنا ومذاهبنا، ننتمي إلى جماعات وانتماءات متعددة

بدون شعور بأن هذه الانتماءات مناقضة لبعضها البعض.. فانتماءات الإنسان المتعددة تتكامل مع بعضها البعض.. وإذا كان أبناء الوطن الواحد متمايزون في دائرة من دوائر الانتماء المتعددة، هذا لا يعني أن جميع مصالحهم متناقضة أو أنهم أعداء أبديون لبعضهم البعض.. وعلى ضوء تجارب العديد من المجتمعات المتعددة، نصل إلى هذه الحقيقة وهي: أن استخدام العنف القولي أو الفعلي ضد المخالف أو المختلف، لا ينهي ظاهرة التنوع المذهبي من الوجود الاجتماعي، بل يزيدها تصلبا ورسوخا..

3 - لعل من المفارقات العجيبة والتي يحتاج إلى المزيد من الفحص والتأمل، هو أن الأفراد أو الجماعات المتشددة مذهبيا والمغالية طائفيا، والتي تعلن صباح مساء أهمية الحفاظ على الأمة ووحدتها ورفض المؤامرات الأجنبية التي تستهدف راهن ومستقبل الأمة.. فهي جماعات توغل في عمليات الخصومة والعداوة مع المختلف المذهبي، دون أن تسأل نفسها أن إيغالها في هذه الخصومة هي الثغرة الكبرى الذي ينفذ منها أعداء الأمة..

فالأطراف والإرادات الطائفية المتصادمة، والتي تدفع الأمور بكل الوسائل لإدامة التوتر الطائفي هي المسئولة عن توفر المناخ لتأثيرات ونجاح الأجنبي في مؤامراته على الأمة الإسلامية..

لأن الشرخ الطائفي هو من نقاط الضعف الكبرى في جسم الأمة، والذي من خلالها ينفذ خصوم الأمة، ويديموا ضعفها وتراجعها الحضاري والسياسي.. وإن كل من يساهم في تعميق الشرخ الطائفي في الأمة، مهما كانت نيته ودوافعه، هو يساهم بشكل موضوعي في توفير القابلية لكي يتمكن الأجنبي في إنجاح خططه ومؤامراته على راهن ومستقبل الأمة..

لهذا فإننا ينبغي أن لا نتساهل في أمر الفتن الطائفية أو نتعامل معها بعقلية منغلقة تساهم بدورها في عمليات التأجيج والتحريض..

إننا ومن منطلق مبدئي نرفض عمليات التحريض الطائفي، ونعتبر هذه العمليات مهما كان صانعها، من الأمور التي تمهد الطريق للقوى الأجنبية للسيطرة على مقدرات وثروات المسلمين.. فالفجور في الخصومة واستسهال الطعن في عقائد الناس وسوء الظن بالآخرين كلها تقود إذا سادت العلاقة بين مكونات الأمة والمجتمع إلى الاهتراء والتآكل الداخلي مما يسهل عملية السيطرة الأجنبية إما بشكل مباشر أو غير مباشر..

وفي خاتمة المطاف نقول: أن الأزمات الطائفية بكل مستوياتها لا تربح أحدا، وإن جميع الأطراف هم متضررون من تداعيات هذه الأزمات..

وإننا جميعا مسئولون ومطالبون للعمل من أجل وأد الفتن الطائفية ومعالجة موجباتها وآثارها.. وإن لا خيار أمامنا جميعا إلا أوطاننا، ونسج علاقات إيجابية بين مختلف مكونات الوطن والمجتمع..

وجماع القول: إننا نخسر على المستوى الخاص والعام، حينما ننجر إلى المربع الطائفي.. لهذا فإن بمقدار ما نتخلص من النزعة الطائفية، بذات القدر، نتمكن من بناء علاقة إيجابية مع محيطنا وفضائنا الوطني والإسلامي..

وحتى لا يساء فهمنا في هذا السياق من الضروري التفريق بين مفهوم الطائفية الذي يساوي الانغلاق والانكفاء واستحضار مشاكل التاريخ بنفس صدامي - سجالي، وبين المذهبية كحالة فكرية ومعرفية واجتماعية.. فنحن نعتز بإنتماءنا إلى مدرسة أهل البيت ، ونعتقد أن هذه المدرسة بقيمها ومبادئها ومثلها العامة، تشكل جسر عبور للخلاص من مآزق الراهن والتباساته العديدة.. ولكن اعتزازنا بهذا الانتماء وهذه المدرسة الرسالية، لا يشرع لنا تبيئة النزعات الطائفية في واقعنا ومحيطنا. وإن الانزلاق في هذا الطريق، يعني فيما يعني نجاح الخصوم ودفعنا إلى تبني مواقف والوقوف على أرضية لا تفيدنا على مستوى الراهن ولا على مستوى المستقبل، كما أنها لا تنسجم وفهمنا لقيم وتوجيهات أئمة أهل البيت ..

لهذا فإننا بحاجة إلى خطاب ديني - ثقافي - سياسي، يخرج المجتمعات الشيعية من الصندوق الطائفي، ويفتح المجال لهم للتفاعل الخلاق على قدم المساواة مع شركاءهم في الوطن والأمة..

فأمن مجتمعاتنا ومصالحه الحيوية، لا يمكن أن تصان في ظل بيئة اجتماعية معادية أو متشنجة ضد الشيعة.. لهذا فإننا معنيون قبل غيرنا بأهمية تنقية المحيط من أمراض التعصب ونزعات الكراهية، وكلما تمكنا من تعميم ثقافة الاعتدال والتسامح، استطعنا الوصول إلى بيئة اجتماعية متفهمة لقضايانا المختلفة..

نحن بحاجة في كل مواقعنا إلى بلورة مبادرات ومشروعات، تستهدف تجسير العلاقة وبناء الثقة مع مكونات وتعبيرات المحيط، حتى نتمكن من محاصرة القوى الاستئصالية والتكفيرية، وحتى نرفع عن كاهلنا الكثير من الاتهامات والهواجس التي تكلف أمننا واستقرارنا الشيء الكثير..

ثانيا: وحدة المسلمين ومخاطر الفتنة المذهبية:

يدو ووفق المعطيات والمؤشرات القائمة، أن العلاقة الداخلية بين المسلمين بمختلف مذاهبهم ومدارسهم الفقهية، تمر بمرحلة خطيرة وحساسة، حيث التوترات المتنقلة، والحروب الكلامية والتي وصلت في بعض المناطق جد الاقتتال المذهبي، إضافة إلى الإعلام الفضائي والأنترنتي، الذي يؤجج الفتن، ويشعل الحروب، ويغذي الأحقاد والضغائن بين المسلمين..

وكل المؤشرات توحي أن التطرف المذهبي بكل صوره وأشكاله، هو المسئول إلى حد يعيد عن كثير من صور التوتر والاقتتال بين المسلمين..

ولا ريب أن استمرار التوتر والحروب الصريحة والكامنة بمستوياتها المختلفة بين المسلمين، يهدد استقرار المجال الإسلامي بكل دوله وشعوبه، ويؤثر على أحوالها السياسية والأمنية وأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية.. وإن لهذه التوترات كلف اجتماعية وسياسية وأمنية واقتصادية وإستراتيجية خطيرة على أوضاع المسلمين، وعلى راهن الدول الإسلامية ومستقبلها..

ومن الضروري أن يدرك الجميع، أن هذه التوترات والحروب المذهبية المتنقلة ستصيب الجميع.. أي لا توجد دولة عربية وإسلامية بمنأى عن هذه التوترات ومتوالياتها الكارثية. لذلك فإن تغذية هذه الأحقاد المذهبية، يعد من الخطايا الكبرى، لأنها ستنهي استقرار العديد من البلدان العربية والإسلامية كما أن التفرج على ما يجري، وعدم القيام بخطوات ومبادرات، تستهدف إصلاح العلاقة بين طوائف المسلمين، أو الحد من استخدام اختلافاتهم الفقهية والسياسية في الشارع، يعد بشكل أو بآخر مشاركة في الجريمة الكبرى التي تطال العالم الإسلامي اليوم.. فما يجري من احتقان طائفي وتوتر مذهبي، ومقولة نابية وبذيئة هنا، ومقولة مماثلة هناك، وسب وشتيمة للمقدسات والرموز هنا، وممارسات مماثلة هناك، وإطلاق أحكام جائرة على بعضنا البعض، كل هذه الصور، إذا لم يتم تدارك الأمر من عقلاء الأمة وحكماءها، سيزيد من أوار التطرف المذهبي، وستدخل الأمة الإسلامية بأسرها في فتنة مذهبية عمياء..

فالفرجة على ما يجري في الأمة من فتن مذهبية وطائفية متنقلة، يعد تشجيعا لهذا النهج.. فالمطلوب ليس الفرجة أو الحياد، وإنما القيام بمبادرات تحاصر الفتن المذهبية، وترفع الغطاء الديني عنها، والعمل من أجل تفكيك موجباتها وأسبابها..

وأود في سياق العمل على وأد الفتن المذهبية التي بدأت بالبروز في جسم الأمة، أن أوضح النقاط التالية:

1 - المكتبة الإسلامية ومنذ أزمان سحيقة، مليئة بالكتب والدراسات والأبحاث، التي توضح الحدود بين المذاهب ونقاط التباين وموضوعات الاختلاف بين الطوائف.. فكل موضوعات الخلاف بين المسلمين العقدية والتاريخية، هناك المئات من الكتب حولها.. لذلك فإن جميع الأطراف تعيش حالة تشبع وتخمة في الكتب الخلافية بين المسلمين.. لهذا فإن ما ينقص المسلمين اليوم، هو تلك الكتب والدراسات والأبحاث، التي توضح وتبلور فقه الوفاق والائتلاف الوحدة بين المسلمين.. فالمكتبة الإسلامية التاريخية والمعاصرة على هذا الصعيد فقيرة، لهذا فإننا ندعو العلماء والدعاة والكتاب، إلى الكتابة والتأليف والبحث العلمي حول فقه الوفاق بين المذاهب الإسلامية، وكيفية تعزيز وحدة المسلمين بكل دولهم وشعوبهم..

فالكتابة حول موضوعات الاختلاف والتباين، أضحت مكرورة، ولا تقدم جديدا على صعيد العلم والمعرفة الدينية.. أما كتابات الوفاق والائتلاف فهي شحيحة، والأمة بكل أطرافها وأطيافها تحتاج إلى المزيد من الدراسات والأبحاث، التي تدعو إلى فقه الوفاق بين المسلمين، وتبلور خيار الائتلاف بين أهل المذاهب الإسلامية، وتعطي الأولوية لوحدة الأمة الإسلامية..

فالفتن المذهبية لا تواجه إلا بقيام كل المؤسسات والمعاهد والجامعات الدينية، بإغراق الساحة بكتابات ومؤلفات ـ تؤكد على قيم الوحدة والائتلاف بين المسلمين..

2 - عجيب أمر المسلمين بكل طوائفهم في العصر الراهن، فبدل

أن ينشغلوا بأمر التنمية والبناء العلمي وتطوير أوضاعهم السياسية والاقتصادية والحياتية، هم ينشغلون بحروب التاريخ وخلافاته..

فالتحدي الكبير الذي يواجهنا، ليس الموقف من أحداث التاريخ ورجاله [مع أهمية وضرورة أن نحترم قناعات ومقدسات بعضنا البعض على هذا الصعيد] وإنما تنمية أوضاعنا وتطوير أحوالنا، وبناء حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية على أسس الحرية والعدالة والمساواة..

فجهود المسلمين وطاقاتهم، ينبغي أن لا تصرف في حروب عبثية أو لا طائل من وراءها، وإنما يجب أن تصرف في سبيل البناء والتنمية والعمران..

ومن يبحث عن الدفاع عن قيم الإسلام ومقدساته، فلينخرط في معركة البناء والتنمية ومحاربة الفقر والجهل والمرض.. فإن هذه المعركة بكل مقتضياتها، هي التي توضح قيم الإسلام الأساسية، وتعززها في نفوس المسلمين.. لأنه وببساطة شديدة ثمة علاقة سببية وطردية بين إيمان الإنسان وبين تلبية حاجاته، فكلما كانت استجابة الدين لتلك الحاجات أعلى، تضاعف إيمان الإنسان وازداد قوة وصلابة وثباتا، فضلا عن ازدياد تعلقه وشغفه بهذا الدين الذي سيضحى قضية محببة للإنسان..

والدين إذا نكص عن النهوض بمتطلبات المجتمع الحي المتجدد عبر القرون والأعصار، وعجز عن توفير أسباب الازدهار والارتقاء للمجتمع، فإنه لن يفلح في فرض المعتقدات عليه..

وينقل أن أحد المستشرقين الألمان زار أحد العلماء ورأى غلاف مجلته التي كان يصدرها باسم [العلم] وكان غلافها مزينا في زواياه الأربعة بأربعة أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم عن فضل العلم وأهميته، فسأله عنها، وبعد أن ترجمت له الأحاديث أظهر تعجبه وقال: عندكم هذه الأوامر عن نبيكم بالعلم وكونه فريضة مطلقا دون قيد من ناحية المكان أو الزمان أو القومية، وأنتم تعيشون هذه الحالة من الجهل والأمية..

فالانشغال بالتوافه والجزئيات وأحداث التاريخ، لا تبني قوة لمجتمعاتنا، ولا تعيد أمجاد حضارتنا، وإنما تزيد من هامشيتنا وبعدنا عن قيم الإسلام العليا..

3 - ثمة إشكالية عميقة تسود العلاقة بين المسلمين في كل أطوارها ومراحلها، أنها ليست علاقة اكتشاف ومعرفة، وعقل وإدراك أي فكر ووعي، يؤدي إلى علاقة شعور ووجدان وعاطفة، بل هي علاقة مساجلة وتباعد نفسي واجتماعي، وقراءة الآخر من خلال كتب الأنا، فتتضخم في النفوس والعقول موضوعات التباين وقضايا النزاع التاريخي، مع حضور دائم للأقوال الشاذة لدى كل الأطراف، وهي أقوال تزيد الإحن، وتسوغ التمترس المذهبي والتخندق الطائفي..

ومع ثورة الاتصالات والمعلومات وتوفر الكتب بشتى صنوفها، إلا أنني أعتقد أن المسلمين جميعا يجهلون عن بعضهم البعض أكثر مما يعلمون.. وإن الجهل وسوء الظن بقناعات الخصوم دون التأكد من صحتها، هي التي تساهم في ابتعاد المسلمين عن بعضهم البعض..

لذلك وفي إطار محاربتنا للجهل ببعضنا البعض، أدعو الجامعات والمعاهد العلمية إلى إدخال مادة الفقه والعلوم الإسلامية المقارنة، حتى يتسنى للجميع معرفة الجميع في الدائرة الإسلامية، من خلال منهج علمي - موضوعي، يساهم في معرفة القناعات العميقة والثابتة لدى جميع الأطراف سواء في الأصول أو الفروع..

فالجهل يزيد الفرقة ويعمق الخلاف، بينما العلم يساهم في توطيد أركان التضامن والوحدة بين المسلمين..

فحينما نتربى جميعا على الفقه المقارن، ستزول من طريقنا الكثير من النتوءات، التي تشوه بعضنا البعض، أو توفر إمكانية نفسية واجتماعية للتوتر المذهبي.. فلننفتح على بعضنا البعض، انفتاحا علميا - منهجيا بعيدا عن ضغوطات الواقع وسجالات التاريخ..

ثالثا: التمسك بقضايا الأمة الكبرى والدفاع عنها:

من الضروري لاعتبارات قيمية وسياسية ومجتمعية، أن يبقى المسلمون الشيعة في كل مناطقهم ومجتمعاتهم متمسكين لقضايا الأمة الكبرى ومدافعين عنها.. صحيح أن هذا التمسك سيكلف المجتمعات الشيعية الشيء الكثير، ولكن التخلي عن هذه القضايا سيكلف أكثر.. ودعوتنا إلى التمسك بقضايا الأمة الكبرى والدفاع عنها يعود للاعتبارات القيمية حيث أن قيمنا ومبادئنا تدفعنا إلى ضرورة نصرة المظلوم والدفاع عن العدل والحرية، ولاعتبارات إستراتيجية إذ أن تخلي مجتمعاتنا عن هذه القضايا، قد يفضي خسارة الأمة الإسلامية جمعاء الشيء الكثير.. لهذا فإن من أهم محددات علاقتنا بمحيطنا الاجتماعي والوطني، هو التزامنا بقضايا الأمة الكبرى.. وكما كان فقهاؤنا وزعمائنا عبر التاريخ مع حقوق كل الشعوب المظلومة، ومدافعين عن حقوق المحرومين وناصرين بكل ما يملكون لقضايا العدل والحرية.. نحن اليوم ومن مختلف مواقعنا ينبغي أن نكون رواد العدل والحرية فلا نكف بكل إمكاناتنا عن محاربة الاستبداد وتفكيك حوامله، ودعوة الأمة إلى قيم العدل والحرية والحوار..

فنحن رواد الإصلاح الديني والسياسي، ومن الضروري أن نستمر في كل مجتمعاتنا من حمل مشعل الإصلاح بشقين الديني والسياسي.. فنحن الذين عانينا في كل حقب تاريخنا من الظلم والاضطهاد والافتئات على الحقوق والكرامات، لا يمكننا إلا أن نكون مع كل طالب حرية، ومع كل مجتمع يسعى لإنصافه ووقف الاستهتار بقيمه وبكرامته، ومع كل أمة تكافح من أجل تحرير أرضها وإنسانها من يد الاستعمار وربقته..

ومن الضروري أن ندرك أن إنهاء أزمات وجودنا، مرهون بقدرة مجتمعاتنا العربية والإسلامية على التحرر من ربقة الاستبداد، وتعزيز الحياة الدستورية والديمقراطية وقيام دولة المواطنين التي لا تفرق لاعتبارات دينية أو مذهبية أو عرقية بين مواطن أو آخر..

فخلاصنا في كل مجتمعاتنا من مشكلاتنا السياسية والأمنية والاقتصادية، يعتمد على قدرتنا مع شركائنا في الوطن، على بناء دولة مدنية عادلة تستوعب جميع الأطياف وتكون تعبيرا أمينا عن مكونات شعبها ومصالحه الحيوية.. فالوقوف في وجه الدول الديكتاتورية والنضال الوطني من أجل الإصلاح والحرية والديمقراطية، هو سبيلنا لإنهاء مشاكلنا الخاصة والعامة.. فلا خلاص لنا بمعزل عن إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية العامة في مجتمعاتنا ودولنا..

من هنا فإن النخب السياسية والدينية والثقافية الشيعية في كل المجتمعات، معنية بتجسيد العلاقة مع بقية النخب الوطنية، لبناء كتل وطنية تطالب بالإصلاح وتعمل من أجله.. بحيث تكون المشاكل الخاصة بالشيعة هي جزء من الأجندة الوطنية العامة.. فالشراكة هي خيارنا، والتفاعل الإيجابي مع محيطنا، هو سبيلنا من أجل كسر حاجز العزلة والانطواء والتمترسات الطائفية.. فنحن لن ننصف في كل مجتمعاتنا ودولنا إلا بتسويد قيم العدالة والحرية والكرامة، ولن ننهي معاناتنا المركبة إلا بدولة المواطنين جميعا بدون تحيز أو افتئات على أحد..

ولا يمكن أن نواجه المعادلات الطائفية القائمة في أغلب البلدان العربية والإسلامية، بالانخراط فيها والخضوع إلى مقتضياتها، لأن هذا الانخراط سيدعم المعادلات الطائفية بدماء ومبررات ومسوغات جديدة.. فمواجهة المعادلات الطائفية لا تتم إلا بالانخراط الفعال في بناء حقائق مضادة لهذه المعادلات في الفضاء الاجتماعي والثقافي والسياسي وهذا يتطلب منا العمل في الاتجاهات التالية:

1 - رفع الغطاء الديني والاجتماعي عن كل الممارسات الطائفية، التي تغذي نزعات الكراهية بين الناس لاعتبارات مذهبية..

2 - القيام بمبادرات حوارية ووحدوية تتجه لتجسيد العلاقة بين مختلف المكونات والتعبيرات..

3 - زيادة وتيرة التلاقي والتواصل بين النخب الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية، لمحاصرة نزعات التطرف والمفاصلة الشعورية بين المسلمين..

4 - بناء المؤسسات الإعلامية والدينية التي تعطي أولوية لوحدة المسلمين، وصياغة العلاقة بين المسلمين على أسس الحوار وتوسيع المساحات المشتركة وصيانة حقوق الإنسان..

رابعا: تعزيز خطاب الاعتدال في الأمة:

ثمة ضرورات ومؤشرات عديدة، تدفعنا إلى الاعتقاد أن المنطقة والظروف الحساسة التي تمر بها، وطبيعة التحديات والمشاكل التي تواجهنا، كل هذا يدفعنا إلى الاعتقاد أن هذه المنطقة بحاجة إلى مبادرات نوعية من أهلها، تستهدف فضح الإرهابيين ورفع الغطاء الديني عنهم، وبناء حقائق وخطاب إسلامي جديد قوامه الاعتدال والوسطية واحترام المكاسب الإنسانية والحضارية. وخطاب الاعتدال، لا يمكن تعزيزه، وتعميق موجباته في الفضاء الاجتماعي، بدون الحرية. فطريق الاعتدال الحقيقي، هو في توسيع دائرة الحرية والحريات. فهي الوسيلة الحضارية الكبرى لتجذير مفهوم الاعتدال في الوسط الاجتماعي والوطني.

وكل الممارسات الخاصة والعامة، المناقضة لمفهوم الحرية، هي ممارسات مناقضة لمفهوم تعزيز الاعتدال في الفضاء الاجتماعي. فالعلاقة عميقة بين مفهومي الاعتدال والحرية.

فالحريات بطبعها إذا توفرت في البيئة الاجتماعية، فإنها تدفع الناس إلى المزيد من الوسطية والاعتدال. كما أن الاعتدال سيكرس الممارسة السليمة لقيم ومتطلبات الحرية.

والمجتمع الذي يبحث عن الحرية، لا يمكن تحقيقها، بتبني خطاب الغلو والتطرف والتعصب. لأن هذا الخطاب يباعد على المستوى النفسي والعملي بين المجتمع والحرية.

والمؤسسة السياسية التي تبحث عن الاعتدال، بوسائل القهر والعنف، فإنها لن تحقق إلا المزيد من الغلظة والشدة والعنف.

لهذا فإننا نستطيع القول: أن الطريق الحيوي لتعزيز خطاب الاعتدال في الوطن، هو توسيع دائرة الحرية والحريات، والمزيد من الإجراءات والمبادرات التي تصون حقوق الإنسان وتحول دون امتهان كرامته.

ومشكلات الحرية بكل مستوياتها، لا تعالج بإفنائها أو تقليص مساحتها، وإنما بحمايتها، وتعزيز مقتضياتها بالقانون. وبهذا نصل إلى معادلة واضحة لعملية تفكيك جذور خطاب وحقائق التطرف والتعصب، وبناء حقائق التسامح والاعتدال. وهي [الحرية - الاعتدال - سيادة القانون].

فهذه هي العناصر الجوهرية لصياغة الفضاء الاجتماعي، بعيدا عن كل أشكال الغلو والتعصب ونزعات الفوضى والخروج على النظام.

فالحرية هي طريق الاعتدال، ولا حماية لهما إلا بسيادة القانون الذي يمارس دور الحماية والردع في آن.

ولعلنا لا نبالغ حين القول: إن المنطقة تعيش اليوم مرحلة النتائج والتداعيات الخطيرة لخطاب ديني متطرف، وإلغائي، ويعمل على طمس معالم الاعتدال والتعايش السلمي في المنطقة.

لذلك فإن الحاجة ماسة اليوم، لبلورة استراتيجية وطنية وإسلامية جديدة، تتبنى قيم الاعتدال والتسامح وحقوق الإنسان، وتتكيف مع مقتضيات العصر، بحيث تتحول القيم الدينية إلى قيم دافعة إلى البناء والتنمية والتعايش.

ويعاني المجال الإسلامي في هذه اللحظة التاريخية الحساسة الكثير من عناصر التوتر المذهبي والتطرف الديني. بحيث أصبحنا نعاني في الكثير من البلدان والمناطق من ظاهرة التوتر المذهبي أو القومي أو العرقي أو السياسي المفتوح على احتمالات خطيرة تهدد الجميع في حاضره ومستقبله. لهذا ومن أجل وقف الانحدار إلى الصراعات والتوترات المذهبية والداخلية، نحن بحاجة إلى مبادرات وطنية وقومية وإسلامية تحول دون المزيد من الانحدار على هذا الصعيد وتعمل عبر وسائل ومنهجيات مختلفة من أجل إشاعة وتعميم ثقافة الاعتدال ومنهج العمل والفكر الوسطي بدون غلو أو تنطع. ونحن نعتقد أن المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية، تتحمل مسؤولية عظيمة في هذا السياق، وتمتلك القدرة الفعلية للمساهمة في توجيه الرأي العام باتجاه هذه القضايا والمتطلبات، التي تضبط نزعات التطرف والتوتر الداخلي في العديد من البلدان العربية والإسلامية.

وفي هذا السياق نقدم مجموعة من التصورات والمقترحات التي تساهم في تقديرنا في تعزيز خطاب وواقع الاعتدال في الوطن والأمة في مختلف المجالات والحقول.

1 - نشعر بأهمية أن تقود المؤسسات الثقافية والإعلامية حملة إعلامية لتعزيز خيار الاعتدال والوسطية في الوطن والأمة، لتعريف أبناء الوطن بأسس وآفاق الاعتدال والوسطية. وكلنا ثقة أن تبني حملة ثقافية وإعلامية مدروسة وموضوعية من قبل المؤسسات الوطنية والإسلامية لتعزيز خيار الاعتدال ونبذ ثقافة الكراهية والتطرف سيؤتي ثماره وسينعكس بشكل إيجابي على حاضر ومستقبل الوطن والأمة في العديد من الميادين والحقول.

2 - تأسيس منتدى وطني للاعتدال والوسطية، ومهمة هذا المنتدى عقد الندوات والمحاضرات، والتعريف بالكتب والإصدارات التي تنسجم وخطاب الاعتدال، والعمل الثقافي الذي يتجه إلى معالجة الإشكاليات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي تحول دون بروز خيار الاعتدال والوسطية بشكل مؤسسي في الوطن والأمة.

3 - الدعوة إلى تأسيس ميثاق إعلامي ينبذ العنف ويمنع بث كل المواد الإعلامية التي تحض وتحث على الكراهية بكل أشكالها، وتدعو إلى التسامح واحترام حقوق الإنسان والاعتدال والوسطية. وإننا اليوم نعتقد وبشكل عميق أهمية أن يسعى الإعلام الحر لإنتاج صيغ احتضان ورعاية لكل المناشط والمبادرات والتوجهات التي تعتبر معتدلة، وتدعو إلى التعايش ونبذ الكراهية والعنف.

وإن حاجة أمتنا اليوم إلى خطاب الاعتدال، ليس حاجة ترفية، بل من الحاجات الضرورية التي تساهم في حفظ وصيانة المكتسبات الحضارية، وتوفير البيئة الملائمة لمواجهة الكثير من التحديات والصعوبات التي تستهدف أمتنا في حاضرها ومستقبلها.

ويحدونا الأمل باتجاه أن تتبنى المؤسسات الثقافية والإعلامية الوطنية هذه المسألة، وتقود الحملة الإعلامية والتثقيفية لتأكيد خيار الاعتدال والوسطية في الوطن والأمة.

والاعتدال الذي نقصده، لا يعنى بأي حال من الأحوال التخلي عن ثوابت الدين والوطن، وإنما يعني قراءة هذه الثوابت بعيدا عن الغلو والتطرف..

وبالتالي فالمطلوب على هذا الصعيد، هو تظهير قيم الاعتدال والوسطية ونسج العلاقات الايجابية بين مختلف الأمم والشعوب والثقافات والحضارات. وهذا التظهير ليس خاصا بحقل دون آخر، وإنما جميع حقول المجتمع ودوائره المتعددة، معنية بشكل أساسي بتظهير قيم الاعتدال والوسطية في المجتمع السعودي..

ولا يكفي في هذا السياق، أن نلعن الخطاب المتطرف والمغالي والمتشدد، وإنما ينبغي أن يسند مشروع تفكيك وفضح الخطاب المتطرف، بصياغة خطاب معتدل، وسطي، متوازن، ويبني حقائقه ووقائعه في الساحتين الثقافية والاجتماعية..

فالمطلوب اليوم على الصعيد الوطني، وفي ظل هذه الظروف الحساسة والتحديات الصعبة، العمل على صياغة خطاب وطني وسطي يفكك نزعات التطرف والغلو، كما يبني حقائق الاعتدال والتسامح في الفضاء الاجتماعي..

وفي سياق الاهتمام والدعوة إلى ضرورة الانفتاح والتواصل بين المسلمين جميعا بمختلف مذاهبهم ومدارسهم الفقهية والكلامية نود التأكيد على النقاط التالية:

1 - إننا ندعو المجتمعات الإسلامية - الشيعية إلى الانفتاح والتواصل والتلاقي والتفاهم مع المسلمين الشيعة من غير الإمامية وهم الشيعة الزيدية والشيعة الإسماعيلية.. فالجميع له مصلحة في عملية التفاهم والانفتاح والتواصل، ومن الضروري أن نشجع وندعم كل خطوة ومبادرة، تستهدف تجسيد العلاقة بين المسلمين بكل مذاهبهم..

وفي هذا الإطار نقترح الخطوات التالية:

2 - تبادل الزيارات واللقاءات بين النخب العلمية والاجتماعية والثقافية، لزيادة الأواصر وكسر حاجز الجهل المتبادل..

3 - التعاون في المشروعات الوطنية المشتركة كصيانة حقوق الإنسان والدفاع عن الانتهاكات التي تتعرض إليها بعض المجتمعات لدواعي مذهبية..

4 - تظهير المساحات المشتركة وتنشئة الأجيال الطالعة على هذه الحقائق ومقتضياتها المتنوعة..

5 - بناء تفاهمات راهنة على قضايا حيوية، تهم جميع الأطراف ضمن الأطر الوطنية أو الإسلامية العامة..

وهذه الرؤية في الانفتاح وضرورة التواصل مع بقية المسلمين الشيعة من غير الإمامية، ليس تكتيكا سياسيا، وإنما خيار مبدئي واستراتيجي.

فهم جزء من أمتنا ومجتمعاتنا ولا ينبغي أن تستمر حالة الجفاء أو القطيعة أو اللا اهتمام.. وإن هذا التواصل لا يستهدف أن ينتقل أحد الأطراف من موقع مذهبي إلى آخر، وإنما يستهدف تعزيز حالة التعارف بين جميع التعبيرات وتعميق أواصر العلاقة والتعاون وإفشال كل المخططات التي تستهدف إدامة حالة الفرقة والتشظي المذهبي في الأمة..

والمدرسة الإمامية كما أرسى دعائمها وركائزها أئمة أهل البيت تتحرك وتعمل على صعد الحياة المختلفة وقلبها وعقلها على الأمة جمعاء.. فهي مدرسة رائدة في الأمة الإسلامية، ولا يمكن للمدرسة الرائدة مهما كانت الظروف والتحديات، أن تقبل لنفسها الانكفاء والانطواء والانحباس في أطر مذهبية ضيقة.. فنحن نعتز بإنتماءنا لمدرسة أهل البيت ، ولكن هذا الاعتزاز لا يدفعنا إلى الانكفاء، وإنما إلى الانفتاح على قضايا الأمة المختلفة والالتزام بمسائلها الكبرى.. فالتشيع مدرسة الحرية والكرامة والعزة ومن يحمل هذه القيم، لا يمكن أن يقبل لنفسه أو مجتمعه الانزواء والانكفاء، وإنما الانفتاح والتواصل.. وهذا لا يعني الميوعة في الالتزام بثوابت المدرسة ومقدساتها، وإنما يعني العمل على التعريف بأسس هذه المدرسة في إطار من الفهم والتلاقي والتواصل.. فليس لنا مصلحة في أن نعيش في ظل بيئة اجتماعية متوترة تجاهنا، وسعينا للعمل على تفكيك ظاهرة التوتر تجاهنا، لا يعني بأي حال من الأحوال التضحية بالثوابت..

وجماع القول: إن مطالبة الشيعة في المنطقة بحقوقهم السياسية والمدنية والدينية، ليس عملا طائفيا.. فالمطالبة بالعدالة والإنصاف، ليس عملا مرذولا حتى يوصف بالطائفية.. الفعل الطائفي هو أن يطالب الناس بنزع حقوق غيرهم وإعطاءها إياهم، أما المطالبة بالعدالة والإنصاف والمساواة والمواطنة الكاملة، فهو من صميم الفعل والممارسة الوطنية.. وإننا ندعو في هذا السياق شركاء الوطن إلى الانفتاح على قضايا الشيعة في الخليج والإنصات إلى مطالبهم، والسعي من أجل بناء كتلة وطنية عابرة للمذاهب والطوائف للمساهمة معا في تطوير أوطاننا وتعزيز بناءه الداخلي.. فمشاكل الشيعة في المنطقة، لا يمكن أن تعالج بمعزل عن مشاكل الوطن كله.. فلا أحد يبحث عن حلول خاصة، لأن جميع القضايا مترابطة ومتداخلة ولا حل لها جميعا إلا بحزمة إصلاح سياسي حقيقي تطال جميع الملفات والقضايا.. وندعو شركاء الوطن من كل المواقع المذهبية والفكرية والسياسية إلى نبذ كل أشكال التحريض المذهبي.. فالاختلاف والتباين في وجهات النظر على أي قضية من القضايا، لا يبرر لأي أحد ممارسة سياسة التحريض وبث الكراهية بين المواطنين..

فالقذف والسب والاتهام الرخيص لا تبنيي الأوطان وإنما تدمرها وتفك نسيجها الاجتماعي..

فتعالوا جميعا نحارب التحريض وبث الكراهية الدينية والمذهبية، ونبني أوطاننا على قاعدة احترام التعددية المذهبية وصيانة حقوق الإنسان وحماية العيش المشترك..

وإن الوقوف ضد مطالب الناس المحقة في العدالة والديمقراطية والإنصاف، بدعوى أن المطالبين بهذه القضايا هم من الطائفيين، يعد ظلما صريحا وافتئاتا مريعا لمكون أساسي من مكونات المجتمعات الخليجية..

وإن لا مصلحة لأحد في المنطقة لتفجيرها طائفيا، لأن التوترات والانفجارات الطائفية والمذهبية ستدمر الجميع وتدخل المنطقة بأسرها في أتون حروب كارثية لا تبقي ولا تذر..

ووجود مشكلة أمنية وسياسية بين إيران ودول المنطقة، لا تعالج بالتحريض الطائفي وبث الكراهية بين المواطنين على أساس طائفي ومذهبي..

فإننا نرفض التحريض الطائفي بكل أشكاله، لأنه يخرب الأوطان ويدمر الاستقرار الاجتماعي والسياسي.. كما أن أساليب التحريض ووسائله المختلفة لا تنسجم وتشريعات الإسلام وفضائل الأخلاق..

والإساءات الطائفية لايمكن أن تواجه بإساءة مقابلة، فالنار لاتطفىء بنار أخرى. فتعالوا جميعا من اجل وحدة أوطاننا ومجتمعاتنا، ومن اجل الالتزام بقيم الإسلام وتشريعاته في التعامل مع المختلف والمخالف نطرد من محيطنا وفضائنا الاجتماعي والوطني كل نزعات التمييز والإقصاء والنبذ لاعتبارات مذهبية وطائفية. فالعلاقة بين شركاء الوطن ينبغي أن تكون قائمة على الاحترام المتبادل وصيانة الحقوق وحماية أسس ومرتكزات العيش المشترك.

كاتب وباحث سعودي «سيهات».