آخر تحديث: 25 / 1 / 2022م - 10:14 م

لستم ضد الإرهاب.. ”لا تلعبوا علينا“

حسين العلق *

إلى عتبة الخمسين شهيدا بلغ عدد ضحايا الهجمات الإرهابية ذات الطابع الطائفي التي ضربت مساجد الأحساء والقطيف والدمام ونجران في غضون عام ونيّف. ولا يبدو في الأفق ما يدعو للتفائل بنهاية وشيكة لهذه الهجمات، وذلك لأسباب عديدة، سأكتفي هنا بتناول عامل واحد منها، ألا وهو؛ الموقف ”الحقيقي“ العام للكثير من النخب الدينية والسياسية والثقافية وغيرها تجاه أعمال الإرهاب والمنخرطين فيه، وما إذا كانت هذه النخب تلتزم موقفا مبدئيا في رفضها لكافة أشكال الإرهاب في الداخل والخارج، بصرف النظر عن الجهة المرتكبة للإجرام وهوية الضحايا، أم أن لدى هذه النخب موقفا مزدوجا، تحدده طبيعة الاصطفاف الطائفي الحاد في المنطقة.

دعنا نعترف بداية بأننا نعيش في وقتنا الراهن مخادعة كبرى للنفس. ذلك أنه في حين تضج منابر المساجد وتصدح حناجر الخطباء وتعج الشاشات الفضائية وصفحات الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي بالتكفير والتحريض على القتل، صراحة أو مواربة، وتلقي بكافة التوصيفات التعميمية بالغة البذاءة ضد ملايين من البشر لمجرد انتمائهم لمنظومة دينية أو مذهبية مختلفة، وتحملهم المسئولية عن كل خطايا الخليقة، ثم نأتي بعد ذلك لنستغرب ما يجري عليهم من استهداف أعمى، فتلك مخادعة كبيرة للنفس، والأسوأ هو أننا بعد لا نريد أن نفيق منها على ما يبدو!. ولعل الأكثر غرابة في الأمر أنه كلما جرى اعتداء دموي حصد أرواح الأبرياء راح البعض ”يتصنع“ دور المتفاجئ والمصدوم بالحادثة، فهل ثمة مخادعة أكبر من هذه!!.

من هنا، لنا أن نزعم بضرس قاطع أن الهجمات الارهابية ذات الطابع الطائفي في المملكة لن تتوقف. طالما هناك من يستنكر أعمال الارهاب في الليل، وفي النهار يمجد الارهابيين القتلة - على نحو مباشر وغير مباشر - باعتبارهم مجاهدين وفق زعمهم. ولعل المراقب العادي يلحظ بكل بساطة ان بيننا فئة واسعة لاتزال تنظر للإرتكابات الإرهابية باعتبارها أعمالا بطولية ”جهادية“ ما دامت بعيدة عن ثيابهم وما دامت تضرب الأبرياء من الطرف الآخر. هذا الأمر لم يعد سرا، فهناك عشرات الحسابات لشخصيات سعودية معروفة في وسائل التواصل الاجتماعي كانت ولاتزال تطفح بهذه الإزدواجية المقيتة، فهم يقفون ضد الارهاب عندما يضرب طرفا محسوبا عليهم، في حين يكاد يرقصون فرحا عندما تكون الضحية من الطرف الآخر.

ولا عبرة للمواقف الطيارة التي يطلقها هؤلاء عقب كل هجمة ارهابية تستهدف الطرف الآخر. كما يجري مع الهجمات التي تستهدف المواطنين الشيعة في المملكة مثلا، وآخرها العملية الانتحارية التي استهدفت مسجد الرضا في حي محاسن في الاحساء الجمعة قبل الماضية، وراح ضحيتها أربعة شهداء، فهذه المواقف ليست سوى مواقف قصيرة الأجل، خالية من الدسم، لا تكلف أكثر من تغريدة مائعة من 140 حرفا على مواقع التواصل الاجتماعي، وسرعان ما تعود حليمة لعادتها القديمة في تمجيد ”المجاهدين“!.

ان أقل ما يقال هو أن موقف الكثير من النخب السعودية تجاه الإرهاب الذي يضرب من هم خارج الدائرة المذهبية الخاصة، موقف يتسم بالازدواجية. ولا أريد الذهاب أبعد من ذلك، في الكشف عن مواقف لبعضهم مؤيدة للإرهاب، تارة ضمنيا، وصراحة تارة أخرى، وهذا تحديدا ما نعده لعبا على الذقون، وميكيافيلية مقيتة، ولذلك أقول خذوها مني؛ أنتم لستم ضد الإرهاب.. ”لا تلعبوا علينا“.

وأختم بالقول ان التعاطي على هذا النحو المزدوج مع الاعتداءات الارهابية ضد فئة من المواطنين السعوديين هو موقف مشجع ضمنا على ارتكاب المزيد من الاعتداءات الارهابية عليهم. فلا فائدة من الاستنكار العابر ما لم يتبع باجراءات صارمة توقف اؤلئك الذين تفيض مواقعهم وحساباتهم الالكترونية بفتاوى التكفير والعنصرية والتحريض على الكراهية والتمييز الطائفي عند حدهم، لأن هاهُنا بالذات مكمن الشرور، واليه يعود معظم الزخم الروحي الذي يؤجج الإرهاب. قضي الأمر الذي فيه تستفيان!

كاتب سعودي