آخر تحديث: 26 / 1 / 2022م - 12:41 ص

التعليم من الآخر!

حسين أنور السنان صحيفة اليوم

موضوع التعليم من الموضوعات والملفات الكبيرة والشائكة والمهمة في بلدنا، ومنذ ما يقارب الأربعين عاما، ومع بدء إستراتيجيات الخطط الخمسية للتنمية والمشاريع العامة التي ترصد لها الدولة الميزانيات السنوية، كان نصيب الأسد يرصد للتعليم من تلك الميزانيات، ومع هذا ما زال التعليم دون المستوى المأمول بالنسبة للمخرجات مقابل متطلبات السوق.

التعليم كمنظومة متكاملة يقوم ويعتمد على عدة ركائز مهمة، كالمنهج الدراسي والمادة العلمية المقدمة للطلاب، مروراً بالكوادر التعليمية والمباني والمنشآت، وانتهاء بأنظمة القياس والاختبارات، وهذا يشمل جميع المراحل التعليمية الابتدائية والمتوسطة والثانوية والتعليم العالي بجميع مراحله، إلا أن مراحل البداية في المرحلة الابتدائية أكثر أهمية من المراحل التي تليها؛ كونها مرحلة التأسيس التي تبني وتبلور شخصية الطالب، وتستمر معه فيما بعد طوال مشواره التعليمي.

هناك الكثير من المقالات والآراء والأطروحات التي تناولت موضوع التعليم وقدمت اقتراحات وحلولا لتطويره، كل بحسب رؤيته وطموحه وتوجهه، بعضها كان منطقياً قابلا للتطبيق والبعض الآخر كان حالماً رومانسياً. السؤال المهم الذي يجب أن نسأله قبل التفكير في عمليات التطوير هو: ماذا نريد من مخرجات التعليم؟ أو ما هي الحقول العلمية التي نحتاج أن نشبعها كي نحقق الأهداف العامة؟

فمثلاً إذا كانت الخطط الخمسية تهدف إلى أن تكون المملكة دولة صناعية متقدمة، فهنا يجب أن يركز التعليم العالي والمهني على التخصصات الصناعية بكافة مستوياتها، أما إذا كانت الخطط تنص على أن المملكة يجب أن تكون دولة متقدمة طبياً مثلاً فهنا يجب أن يركز التعليم على التخصصات الصحية وهكذا، وهذا لا يعني أن يغفل التعليم التخصصات الأخرى، ولكن المسألة نسبة وتناسب حسب الأهمية المخطط لها.

في العشرين سنة الفائتة على وجه التقريب، كان التعليم العالي يركز على التخصصات الإدارية بكافة أنواعها كالاقتصاد والمحاسبة وإدارة الأعمال والتسويق، إلا أننا نجد أن الكثير من شركات القطاع الخاص لا تستوعب خريجي العلوم الإدارية والسبب ليس هو أنه لا شواغر لديها، لا.. ولكن بسبب نوعية المخرجات نفسها حسب ما تصرح به الكثير من شركات القطاع الخاص، فالقطاع الخاص مثلاً يحتاح أن يجيد شاغر الوظيفة اللغة الإنجليزية لأنها اللغة العالمية التي تدار بها الأعمال والتجارة حول العالم، كما أن الأنظمة الاقتصادية والتجارية وأنظمة التشغيل والعقود وغيرها من أساسيات عمل القطاع الخاص تحديداً أغلبها باللغة الإنجليزية. وللأسف فإن الكثير من الخريجين لا يجيدون التحدث أو الكتابة باللغة الإنجليزية التي لم يحصلوا عليها بشكل مناسب في مراحل التعليم المتعددة التي مروا بها. هذا فضلاً عن أن الكثير من كليات الإدارة في جامعاتنا المحلية ما زالت تدرس مناهج قديمة ألفت قبل عشرين عاما وأكثر، مع العلم بأن العلوم الإدارية علوم جديدة ويحصل لها تطوير وإضافات على الدوام.

ما زلت أذكر أنه في أول فصل دراسي جامعي لي بكلية الإدارة والاقتصاد عندما دخل علينا دكتور المحاسبة، ذلك الدكتور الشاب الذي كان عائداً للتو بشهادة الدكتوراة من احدى الجامعات الأمريكية، حيث قال لنا: أنا الدكتور ”فلان بن فلان“ و”للأسف“ سأدرسكم منهج مبادئ المحاسبة لهذا الفصل! سكت الطلاب متعجبين من أسلوبه بالتعريف بنفسه وخصوصاً عندما قال ”للأسف“! فسألته بدوري: ولماذا تقول للأسف؟! فرد علي وقال: سؤال جيد وكنت أنتظره، أما قولي للأسف فهو بسبب أني قبل ثماني سنوات وعندما كنت في مقعدك هذا درست نفس المنهج الذي تم تأليفه قبل عشرين سنة، وبالمقابل فإنه صدر الكثير من المناهج الحديثة التي تجاوزت هذا المنهج بمراحل خصوصاً إذا عرفنا أن علم المحاسبة علم حديث لا يتعدى عمره الأربعين عاما!.

من الآخر خلاصة القول هي أن تطوير التعليم يحتاج أولا إلى تحديد الأهداف، ومن ثم إيجاد الطرق المؤدية لتلك الأهداف، كما أنه يجب ربط موضوع تطوير التعليم بالخطط الخمسية للتنمية، وربط الوزارات التي تشترك وتتقاطع في تلك التنمية مع بعضها البعض؛ لكي لا يغرد كل طرف في واد دون نتيجة.