آخر تحديث: 25 / 1 / 2022م - 10:14 م

أرامكو الوجه الحضاري

حسين رضي أبو السعود *

مما لا شك فيه أن التزاوج الحاصل ما بين البترول وارامكو أو ارامكو والبترول قد صبغ هذه الشركة برؤيا لا يجانبها الصواب المطلق ولكنها نظرة على كل حال.

حقيقة ان المتأمل والمتصفح للتاريخ الطويل لهذه الشركة منذ نشأتها عام 1933م إلى يومنا هذا يجد قاموسها مزين لا بنقاط الذهب الأسود فحسب بل مرصع بكثير من حبات اللؤلؤ والمرجان من الإنجازات والعمل على كافة الأصعدة الخدمية التى ساهمت فيها وكان لها اليد الطولى في إرساء اللبنة الأولى لهذا الصرح أو ذاك أو قد أسست له قاعدة يسير عليها من يأتي بعدها.

لذا كان لها بصمة طمغت كثير من محافلنا وأنشطتنا وفعالياتنا وخدماتنا العامة منها «الحكومية» والخاصة.

فالمواصلات كان لها الفضل بعد الله سبحانه وتعالى حين تقدمت بفكرة إنشاء خط للسكة الحديد يربط بين مدينة الدمام والعاصمة الرياض وذلك في منتصف الأربعينيات الميلادية وهو ما تم بعد موافقة جلالة الملك عبد العزيز آل سعود يرحمه الله وقد أفتتح في 20 أكتوبر 1951م.

أما في مجال الكهرباء فقد لعبت ارامكو دوراً بارزاً وهاماً في وضع الخطط لمعالجة الوضع السيء والمعضلة التي كانت تواجه شركات الكهرباء «حيث كان عددها 26» العاملة بالمنطقة الشرقية وعجزها عن إيجاد حلول لمشكلة انقطاع الكهرباء عن المواطنين ومن تعثرها قبل ذلك في إيصال التيار الكهربائي لكل بيت أو قرية فقامت بوضع الخطط والدراسات لدمج كل تلك الشركات بالإضافة إلى مرافق كهرباء الشركة في شركة أطلق عليها في ما بعد الشركة السعودية الموحدة للكهرباء في المنطقة الشرقية عام 1976م وكانت النواة الأولى في طرح فكرة دمج الشركات الصغيرة العاملة في مناطق مملكتنا المختلفة «الوسطى الغربية الجنوبية» مما ساعد في سهولة السيطرة والتحكم ومراقبة وتقييم العمل والخدمة المقدمة للمواطن.

أما دورها في المجال الصحي فمختصر القول بأن خدماتها في هذا المجال قد بدأت مطلع الثلاثينات من القرن الماضي وتعتبر خدماتها الصحية الرائدة على مستوى المملكة أن لم تكن الأولى من حيث الجودة المقدمة ويكفيها فخراً وتميزاً قضاءها على مرض الملاريا الذي كان يقضي على حياة ثلث المواليد في عامهم الأول وبذلك انحسر معدل وفيات المواليد إلى أقل من 2 بالمائة ومن ثم استئصال المرض من واحة يبرين، واستطاعت وبالتعاون مع جامعة هارفارد والحكومة السعودية استئصال وبائي التراخوما والبلهارسيا عبر قيامها بحملات صحية وطبية، ولا ننسى إدخالها نظام التأمين الصحي إلى موظفيها وأسرهم منذ نشأتها.

وفي المجال الثقافة والإعلام فلقد لعبت دوراً إيجابياً ومهماً أولاً استخدامها هذه الوسائل في إبراز أعمالها وإنجازاتها على الصعيد المحلي والأقليمي والدولي ثانياً إثراء موظفيها والمجتمع المحلي ثقافياً فكان إصدارها لجريدتها الأسبوعية «Sun and Flare» بالإضافة إلى مجلة شهرية هي «قافلة الزيت» والتي كانت ومازالت شعلة وبصمة في عالم الثقافة والأدب والعلم على الصعيد المحلي والأقليمي رغم الانحسار الواضح الذي بات في الآونة الأخيرة يصيب المجلات العربية بشكل خاص لصالح وسائل الإعلام والتواصل الجديدة ولم يقف دور الشركة المحدود في وسائل الإعلام المقروء بل كانت السباقة على المستوى العربي إذ تفتخر بأنها صاحبة البث التفزيونية الأول على مستوى الخليج وثانية «نعم الثاني» بعد العراق على مستوى العالم العربي والشرق الأوسط وذلك في 16/9/1957م لتكتمل الصورة الإعلامية لهذه الشركة وقد تميزت هذه المحطة بالتنوع الثقافي لما تجمعه بين أركانها من كوادر ثقافية فهناك السعودي والخليجي والعربي والجنس الرجالي والنسائي، ولا يغيب عن ناظرنا معرضها المتنقل «المكتبة المتنقلة» التي بدأ منذ عام 1982م بنثر المعرفة والثقافة على الأجيال متنقلة من منطقة إلى أخرى من مناطق المملكتنا.

أما في مجال التعليم فهذا لوحده له قصة وحكاية فلم تقتصر وتنحصر خدماتها على موظفيها ممن لم يكمل تعليمه العام أو توفير فرص الابتعاث الخارجي للمتفوقين منهم بل مدت يدها وخيرها إلى ابناء هذا الوطن فمنذ عام 1953م قامت ببناء المدارس الابتدائية لاستيعاب جميع أبناء موظفيها العرب والمسلمين في أماكن سكنهم على أن تقوم الشركة بعد ذلك بتسليم هذه المدارس لإدارة التعليم في المنطقة الشرقية فور الانتهاء من إنشائها وعلى أن تتحمل الشركة جميع تكاليف إنشاء هذه المدارس وجميع ما يلي ذلك من مصروفات متعلقة بمرتبات المعلمين والصيانة وكذلك تكاليف الأدوات المدرسية من وسائل تعليمية وما شابهها من ادوات متعلقة بالتعليم وفي عام 1954م تم انشاء أول مدرسة للبنين في الدمام ثم توالت بعد ذلك المدارس في المدن الأخرى من رحيمة شمالا الى الهفوف جنوبا، ثم توالى انشاء المدراس بمختلف مراحلها الابتدائية والمتوسطة والثانوية للبين والبنات حتى عام 2005م، وقد توجت كل تلك المجهودات التعليمية خلال الحقبة الزمنية الماضية بانشاء جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية محدثة طفره في عالم المعرفة العلمية وبمقاييس وجودة عالمية ولم تقف هذه الشركة من مواكبة التطور في بناء الإنسان حتى شقت لها طريق من التميز والإنفراد وذلك بتبنيها لأكبر مشروع «برنامج CPC» يكاد يكون الفريد من نوعه على المستوى المحلي بِل ريب بل وحتى على المستوى العالمي من أجل خلق جيل قادر على قيادة زمام هذه الشركة بكافة قطاعاتها «الإدارية والفنية».

وبالتالي تطوير اقتصاديات هذا الوطن المعطاء وتميز هذا البرنامج لا يكمن فقط في الكم بل في الكيف وأنا ومن خلال هذه المقالة ادعو القائمين على التعليم لدينا على وجه الخصوص بزيارة المسئولين والمشرفين على هذا البرنامج والتعرف على جوانبه الإيجابية وما يوفره من بيئة جامعية جذابة للطلبة أو ما يقدمه من مستوى تعليمي عالي لا أكاديمياً بل يتعدى ذلك إلى الأنشطة والفعاليات اللامنهجية ويواصل تميزه وتفرده بمد جسور التواصل بين مشرفي البرنامج والأسرة وهو مالم نجده «على حد علمي» في أي من جامعاتنا الموقرة علماً بأن هذه العلاقة كما يطلق عليهاعلاقة تكاملية تبادلية من أجل رسم سياسة تربوية موحده للتعامل مع الطلاب أو علاج المشاكل التي تقع للطالب أوتبادل الرأي فيما يخص الجانب العلمي أو التربوي للطالب وغيرها... ألم أقل مسبق بأن هذه الشركة وضعت وما زالت تضع بصماتها على هذا المجتمع.

طبيب بيطري – ماجستير طب وقائي - القطيف