آخر تحديث: 25 / 1 / 2022م - 10:14 م

وطن واحد ما بين سيهات ونجران

حسين أنور السنان صحيفة اليوم

الناس في هذا البلد لا يعانون ابتداءً من تأزمات طائفية إذا ما تركوا على فطرتهم السوية التي تقودهم إلى اكتشاف الآخرين دون أفكار مسبقة ودون شحن مركز يقوم على إيقاد جمرة الكراهية المبنية على الأكاذيب في العادة! ولذا فإن التجمعات التي يقدر لها أن تتشكل بين أفراد من السنة والشيعة هنا في المملكة وفي ظروف طبيعية إنسانية بحتة بعيدة عن الغثاء الطائفي المأزوم لا ينتج عنها في العادة إلا الود والمحبة والاحترام. وإذا ما أردنا أن نكون صادقين وواقعيين فإن الصورة ليست وردية بالكامل ولا تصدر عنها أنغام أغنية وطنية لطلال مداح! بل يحدث أن يتناقش المختلفون عن بعض الخصوصيات والاختلافات الفقهية ويبدو في تعليقاتهم عن بعض الممارسات والشعائر، وقد يحصل في بعض الأحيان نوع من التشنج الموسمي النابع من التجاذبات السياسية الدائرة من حولنا في المنطقة، إلا أنه في الأخير يجتمع الجميع بشكل طبيعي دون توجس، يتبادلون الزيارات ويحضرون مناسبات الأفراح والأتراح الشخصية بكل طيبة نفس ودون دوافع مصلحية تدفعهم للقيام بشيء لا يرغبون فعله، يمارسون حياتهم وعلاقاتهم كبقية بني البشر في هذه الوسيعة.

عشرة أيام هي المدة الزمنية الفاصلة بين حادثتي إطلاق النار على الحسينية الحيدرية في مدينة سيهات التي تقع على ساحل الخليج العربي شرقاً الذي نجم عنه استشهاد خمسة مواطنين وبين محاولة تفجير مسجد «المشهد» بنجران في أقصى جنوب المملكة واستشهاد رجلين مسنين افتدى أحدهما المصلين بذراعيه الخاليتين وشيبته الوقورة. ومن قبل تلك الحادثتين هناك سلسلة من الحوادث المؤلمة التي مرت خلال العام المنصرم وحصدت شهداء من أبناء الوطن سنة وشيعة بدءا بالدالوة ثم القديح والعنود وعسير، حصدت تلك الاعتداءات الوحشية الصغير والكبير، الرجل والمرأة ولم تفرق بين مذهب وآخر، ولا أنسى شهيد حائل أيضاً الذي غدر به أبناء عمه وقتلوه مكبل الأيدي في زاوية ما في الصحراء وهو يستعطف قاتله ويقول له: «لا.. تكفى يا سعد»، حتى أسكته الرصاص المنطلق بأوامر البغدادي «خليفة» داعش.

على أثر تلك الأحداث الإرهابية تتالت عشرات المقالات واللقاءات التلفزيونية والإذاعية، وآلاف الكتابات على مواقع التواصل الاجتماعي التي تستنكر وتدين، وتبيّن للمتابع الكم الهائل من الرفض والشجب الشعبي والرسمي للمنهج الإرهابي التكفيري. لكن بالمقابل أيضاً رأينا وخصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي بعض المأزومين الذين يبدون في ظاهرهم وكأنهم لا يؤيدون العنف والقتل ولكنهم في نفس الوقت لا يدينونه صراحة ويحاولون الالتفاف على الجرائم وتحوير حوادث الاعتداء، رأينا البعض منهم والناس في غمرة الحزن والأسى على الشهداء من يخوض في الوحل الطائفي القذر ولا يراعي حرمة الدماء وحرمة بيوت الله وحرمة الأوطان، البعض منهم يكتب بأسماء مستعارة مثل الخفافيش والبعض الآخر يكتب باسمه الصريح.. أمثال هؤلاء هم من يبحث عنهم «داعش» وأقرانه ووكلاؤه، فبالمقدار الذي يهتم الإرهاب فيه باستقطاب المفخخات البشرية لتنفيذ مهامة، يسعى أيضاً لاستقطاب المأزومين طائفياً الذين يصفقون له ويدقون الدفوف لمقدمه ويعتمد عليهم كذلك في تطوير طرقه وأساليبه، فالإرهاب يرتكز على محرضين ومنفذين وجمهور، وبمقدار الخطر الذي يمثله المنفذون على أمن المجتمع فإن المحرضين والجمهور مهما قل عددهم لا يقلون خطراً عمن يفجر نفسه في بيوت الله، لأنهما يعتبران الوقود الذي يغذي الحزام الناسف الذي يلفه المسخ البشري حول خصره. قد يبدو أن جماعة البغدادي «داعش» تستهدف الشيعة ورجال الأمن فقط في الوقت الراهن ولكن الحقيقة هي أنهم يستهدفون وطناً بأكمله يمتد ما بين سيهات ونجران.