آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

السيد الجراش مَثلٌ في إتقان العمل والخُلق الرفيع

حسين العبد الجبار

الجراشفُجعنا صباح هذا اليوم الاثنين الثالث عشر من محرم 1437 هـ  بخبر وفاة المدرب القدير السيد ناصر عمران الجراش رحمه الله. لقد كان السيد ناصر من الكفاءات المميزة في مجال التدريب وتقديم دورات السلامة ومكافحة الحرائق. فهو يُعد أبرز مدرب في مركز التدريب المتقدم لمكافحة الحرائق التابع لشركة أرامكو السعودية في الجعيمة. كما أنه صاحب مبادرات اجتماعية عديدة في تقديم دورات مجانية في مختلف الفعاليات المحلية. لقد كان السيد مصداقاً لقول النبي ﷺ: «إن اللهَ يحب إذا عملَ أحدكم عملاً أن يُتقنه». وأنقل لكم هنا مشاهداتي لهذه الشخصية النادرة في ُحبها للخير وعملها الدؤوب الذي لا ترجو منه إلا نفع الناس بمختلف مشاربهم ورضا الله سبحانه وتعالى. فقد تشرفتُ بحضور أكثر من دورة تدريبية مع أبي ممدوح، كما استفاد منه مئات الموظفين، كان آخرها الأربعاء الفائت السابع من محرم لعام 1437 هـ .

يبدأ الأستاذ ناصر بتحضير الموظفين ثم يأخذ رأيهم في ترتيب جدول اليوم. يطرح أمر اختصار وقت الغذاء للتصويت ويذهب مع رأي الأكثرية. إن وافقوا على تقليص الوقت، يشترط أن يصلي الجميع قبل مغادرة المركز. وإن اعترض أحدهم يحاول إقناعه بحسه الفكاهيش المعهود. كان دائماً ما يردد أننا جميعاً أحبة. صادف أن ناوشه أحد الموظفين بإصراره على أخذ وقت الغذاء كاملاً مخالفاً بقية الحضور. فحصل أخذ ورد حتى أنهى الأستاذ المجادلة للبدء في الدورة.

كان حازماً بسماحةِ نفسٍ ولينِ عريكة. يبدأ مقدمة الدورة، ويستمر توافد الموظفين المتأخرين، فيعاتبهم على التأخير بفكاهة. يغلق باب الفصل بعد 15 دقيقة مفيداً أن القوانين تنص على عدم السماح بالتأخر أكثر من هذه المدة. يستأنف المقدمة وإذا بموظفٍ أخير يطرق الباب بعد دقيقتين. يتظاهر بتجاهله ثم يقبل عليه معاتباً ومذكرًا إياه بالقوانين وبأنه لا يستطيع السماح له بالدخول. الجميع في الصف يتأمل ويعلم أن أبا ممدوح سيسمح له بالدخول. وهو كذلك.

لا تستطيع أن تُغمض عينيك في محضر الأستاذ ناصر ليس لأنه سينبهك فوراً، بل لأنه أستاذ مُتمرس. لا تجد معه رتابةً ولا خمولاً رغم تقديمه لهذه الدورات بشكلٍ متكررٍ على مدارِ السنة. يجذبكَ بسلاسة الشرح، يبسّط المعلومة بأمثلة واقعية ويستعرضُ تجاربه الشخصية حصيلةَ خبرةِ عشراتِ السنوات. ولا يجدُ حرجاً من ترجمة بعض الكلمات إلى العربية عند الضرورة، فالموظفين الناهلين من علمه من مختلف المستويات، منهم الحديث عهدٍ في حقل الزيت والغاز ومنهم ذوو مناصبَ رفيعة في الشركة.

كانت دورة الأربعاء عن أجهزة التنفس ومخاطر الأماكن المحصورة. وكان يجب على جميع الثلاثين موظفاً أن يجتازوا اختبار ارتداء هذه الأجهزة في وقتٍ محدد. قبل الاختبار يقوم أبو ممدوح بشرح أنواع الأجهزة المختلفة والطرق المختلفة لارتدائها. يكرر ذلك أكثر من مرة. ورغم ثقل تلك الأسطوانات وتطلبها جهداً لارتدائها فإنه يبدي استعدادًا لإعادة ارتدائها إن لزم الأمر. كان حريصاً على أن يتعلم الجميع وعلى أن لا يفشل أحدٌ في اجتياز الاختبار. يقول: "لا تخافوا، سأعطيكم وقتاً للتدريب قبل الاختبار. ومن يفشل في الاختبار أول مرة بإمكانه إعادة الاختبار حتى ينجح وإن تطلب ذلك البقاء معكم بعد ساعات العمل”.

إن الروحَ المعطاءة لهذا الرجل الخمسيني، عشرينيةٌ. فلا تراهُ متضجراً ولا مُظهراً للتعب. لا يُثنيه عدم الحصول على ترقية أو تقييم منصف عن أداء عمله على أكمل وجه. صادف أن أتاهُ أحد زملاءه قبل بداية الدورة مذكرًا إياه بإكمال التقييم الذاتي في الحال «يجب على الموظف في أرامكو أن يقيم نفسه ذاتياً قبل تقييم المشرف النهائي». فقال له أحتاج مساعدتكَ لإكماله ولكن بعد هذه الدورة. وعندما أصر الزميل، أجابه:“كم بيعطونا يعني؟ خله لبعد الظهر”. تتعجب من روحه المثابرة وإتقانه للعمل رغم علمه بالمردود المُعتاد، حتى تدرك أنه لا يسعى لمردودٍ مادي. لا يُمانع أن ينتهي من دوامه في الجعيمة ليتوجه في نفس اليوم إلى جامعة الدمام ملقياً محاضرةً توعوية أو دورةً تدريبية في محضر أساتذة وطلاب الجامعة. لا يرجو من وراء ذلك ترقيةً ولا رفعةً دنيوية وإنما ﴿لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا.

وللصلاةِ حكايةُ حبٍّ جلية مع هذا الرجل المًؤمن. عند حلول وقت الغذاء المتفق على اختصاره صباحاً، كان يحثُّ الحاضرينَ على استغلال هذا الوقت للصلاةِ أولاً. كان يقول: "إن كنتَ متعلقاً بالصلاة ستجد الوقت لتأديتها، فهي لا تحتاج لعشرين دقيقة”. عند عودتكِ للفصل، تراه مفترشاً سجادته الخضراءَ في الرواق. قريباً من الباب. راكعاً وساجداً على التربة الحُسينية. كان تعلقه بأهل البيت وكربلاء جلياً. يسألُ أحدَ الموظفين عن اسمهِ، وعندما يجيبه بأنهُ“عَبّاس”يقول بلهفة:“الله؛ أبو فاضل ما أحلى اسمَ عباس”.

تنتهي الدورة، فيشكرنا على الإصغاء ويتمنى أن نكون قد استفدنا. وقبل السماحِ لنا بالمغادرة يُبادرُ السيّدُ نحو مُناوشهِ صباحاً، مُقبلاً عليه بلطف، مصافحاً إياه وقائلاً على مسمع الجميع:“أعتذرُ منك على ما بدر مني في الصباح”فيجيبه الموظف بأنه هو من يعتذر، فيُصرُّ السيد على الاعتذار مجددًا طالباً السماح، وموجهاً الكلام نحو الجميع بما فيهم الغير مسلمين:“نحن جميعاً أحبة”. يقف عند الباب مودعاً الموظفين ومصافحاً إياهم فرداً فرداً، شاكراً لهم ومتمنياً أن يكونوا قد استفادوا من درسه. ومن لا يستفيدُ من درسِه! دّرسُ أبي ممدوح درسٌ علميٌّ أخلاقيٌّ إنسانيٌّ بامتياز..

لن تنصفكَ يا أبا ممدوح هذه الكلمات البسيطة فسيرتك العَطِرة ستبقى نفّاحةً تُضرب بها الأمثال لتلهم الأجيال، ولكن حقّ علينا نعيكَ والتألم لفقدك. فليرحمكَ اللهُ أيها السيدُ النبيل، ويُلهم أهلك ومحبيك الصبر والسلوان.


* تغطيات إعلامية لنشاطات السيد الجراش:

جانب من ورشة عمل مكافحة الحرائق المنزلية*

https://youtu.be/PRza30zeWWU

تدريب ٤٩ سيدة بالقطيف على مكافحة الحرائق المنزلية*

http://www.alyaum.com/article/4052110

http://jhaina.net/?act=artc&id=21663
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 4
1
ماجد
[ القطيف ]: 27 / 10 / 2015م - 3:40 ص
ابو ممدوح الله يرحمه من خيرة الرجال الي قابلتهم في حياتي

الكل يحبه ويمدح فيه سُنة وشيعة
مبدع في التدريب وراقي في التعامل
مثال لقول الامام الصادق ع "معاشر الشيعة كونو زينا لنا ولاتكونو شينا علينا"
2
علي آل ربيع
[ القطيف ]: 27 / 10 / 2015م - 11:58 م
رحم الله أبا ممدوح رحمة الأبرار وحشره مع محمد وآل محمد.
كان نعم الرجل ذو خلق رفيع محب لفعل الخير، كان مبتسماً للجميع للصغير قبل الكبير ولا يفرق بين الرجل البسيط أو الغني. دائما يرحب بالناس لا ينتظر أن يبادره الآخرين بالسلام أو التحية. تعجز الكلمات عن وصف طيبته وأحترامه وتعامله مع الناس. ستظل ذكراه في قلوبنا.

رحم الله من قرأ له وللمؤمنين والمؤمنات سورة الفاتحة.
3
Am Ibrahim
[ Qatif ]: 28 / 10 / 2015م - 5:34 ص
رجُل عظيم ، إلى رحمةِ الله وحشرهُ الباري مع محمدٍ وآله
4
ابو مرتضى
[ القطيف ]: 28 / 10 / 2015م - 7:15 م
رحمه الله رحمة واسعة وحشره مع النبي محمد وإله الطاهرين صلواته عليهم أجمعين . أحسنتم على على المقال الجميل في هذا الإنسان النبيل في علو أخلاقه وكريم سجاياه فقد عرفته في الحضر و في السفر إلى بيت الله الحرام فقد كان شعلة من العمل و قد أقام لنا رحمه في العام الماضي أيام الحج محاضرة رائعة عن السلامة المنزلية . تغمده الله بواسع رحمته