آخر تحديث: 25 / 1 / 2022م - 10:14 م

بين مكة قديماً ودبي حديثاً!

حسين أنور السنان صحيفة اليوم

تميزت مكة منذ القدم بكونها مركزا تجاريا مهما في الجزيرة العربية، الواقعة في المنطقة الجغرافية بين دولتي الفرس والروم، اللتين كانت الحروب تستعر بينهما على الدوام، ولم تهدأ لأعوام طويلة، وحيث إنه لم يكن لتلك الدولتين في ذلك الزمن أي أطماع في الجزيرة العربية بعد، لذا فإنها ظلت منطقة خالية من أي حكم منظم.

تميزت مكة بموقعها الاستراتيجي في الطريق التجارية الواقعة بين الشام واليمن، والتي كانت تعبرها مئات القوافل التجارية في رحلتي الشتاء والصيف المذكورة في القرآن الكريم، ولذا فإن قريش استثمرت ذلك الموقع الاستراتيجي بجعل مكة محطة ترانزيت مهمة للقوافل العابرة من الشمال إلى الجنوب والعكس، ولأجل ذلك وفرت مع حلفائها من القبائل العربية الأخرى كل عوامل الجذب التي تجعل القوافل تحط بها وبالتالي تنعش اقتصادها عبر حركة التبادل التجاري.

لعل أهم عوامل الجذب تلك، هو توفير الحماية للقوافل العابرة عبر عقد التحالفات والمعاهدات مع القبائل على امتداد الطريق التجارية؛ لحماية القوافل وتأمين رحلاتها، حيث كانت الجزيرة العربية تعاني من الانفلات الأمني؛ بسبب حروب الروم والفرس، ولذا فإن توفير الحماية للقوافل المتعاقدة مع قريش كان مهما في استمرار وانسياب الحركة التجارية بين شمال الجزيرة العربية وجنوبها.

عمدت قريش أيضا إلى سن أنظمة محلية مرنة، جعلت من مكة سوقا حرة بمعايير عصرنا الحالي، فغدت مخزنا ضخما للبضائع المتنوعة على مدار العام وأقيمت المهرجانات التجارية، الثقافية، الدينية الموسمية، كسوق عكاظ الذي كان يحرص على حضوره كبار التجار والشعراء والمفكرين والحكماء. كما كان للجانب الديني دور مهم أيضا في عوامل الجذب التجاري تمثل في وجود الكعبة التي كانت العرب تحج إليها قبل الإسلام.

ومع الفارق الكبير في الزمن والتفاصيل والحيثيات قامت حكومة دبي بفعل ذات الشيء، وجعلت من دبي محطة وصل تجاري بين الشرق والغرب وسوقا مفتوحة تقدم كافة التسهيلات لمرتاديها، ومنطقة تجارة حرة يتوفر بها كافة أنواع الخدمات اللوجستية عبر مينائها البحري المهم ومطارها الدولي المتطور ووسائل النقل والاتصال والترفيه والسكن، فغدت دبي مقصدا مهماً لكبريات الشركات العالمية ووجهة سياحية وتجارية لمختلف شعوب العالم.

بشكل أو بآخر هناك عامل مشترك بين دبي اليوم ومكة الأمس بلون ونكهة وحيثيات مختلفة.

عدم وجود الموارد الطبيعية ليس عقبة في طريق الإنتاج وتحريك الاقتصاد وجلب رؤوس الأموال، فبالتخطيط الاستراتيجي واستغلال الفرص وتهيئة الظروف المناسبة يمكن استقطاب الثروات من جميع أنحاء العالم في بقعة أو مدينة ما، وهذا ما فعله العرب قديماً في مكة وأعادوا فعله اليوم في دبي بصورة حديثة جاءت في ظل منافسة محتدمة بين دول العالم الكبرى التي تسعى كل منها للاستئثار بالحصة الأكبر من رأس المال العالمي، وبالرغم من هذا نجحوا في احتلال مكانة وموقع ريادي مهم.

الأمن والإجراءات المرنة والدعم اللوجستي أساس أي ازدهار اقتصادي، وأما الثروات الطبيعية فإنها ثروة ناضبة لا تدوم مهما كان حجمها، ولذا فإن كثيراً من الدول ذات الثروات الطبيعية تعمد إلى التنويع في مصادر الدخل تدريجياً وتحد من الاعتماد على ثرواتها الطبيعية بعد أن تكون قد استفادت من الوفرة المالية العائدة من تلك الثروات في بناء البنية التحتية الدائمة والداعمة للاقتصاد المستدام المتجرد.