آخر تحديث: 25 / 1 / 2022م - 11:21 م

ما عندك ما عند جدتي!

حسين أنور السنان صحيفة اليوم

والعبارات المحكية نقولها دون أن نتمعن في دلالاتها ومعانيها الحقيقية، وننطقها مجرد نطق متجرد من أي تفكير فيما تحويه تلك العبارات من معان قد تكون سلبية ومسيئة ونحن لا ننتبه لها.

”ما عندك ما عند جدتي“ عبارة يقولها البعض عندما يحتدم جدل بين شخصين، ويصلان إلى باب مسدود، حيث إن أيا منهما لم يستطع إقناع الآخر برأيه غير المنطقي في نظر الآخر، فيقول أحدهما لصاحبه ”ما عندك ما عند جدتي“ في إشارة لضآلة معلومات وخبرات وإمكانيات ذلك الشخص. والمعنى هو أنه حتى ”جدته“ تملك معلومات وخبرات وفهما ووعيا أكثر.

هذه العبارة من حيث نعلم أو لا نعلم فيها إساءة كبيرة للجدات، فوضعهن في المرتبة الدنيا من الوعي والفهم والخبرة مقارنة بما سواهن من الناس فيه من الظلم الكبير وإساءة التقدير والأدب تجاههن. لأن قائل هذه العبارة يريد إيصال رسالة لخصمه مفادها الانتقاص منه فيضعه في مقارنة مع أنقص الناقصين وهي ”جدته“ في نظره، ثم يقول له بأنه حتى جدتي تلك ”التي لا تفقه شيئا“ تملك ما لا تملكه أنت من الفهم ويضعها مضرباً للمثل وعبرة!

أعلم أن غالبية القائلين لهذه العبارة لا يقصدون الإساءة لجداتهم ولكنهم يفعلون ذلك دون قصد وتفكير، وفي المقابل من الممكن أن البعض الآخر يعتقد يقيناً بأن جدته لا تفقه ولا تفهم شيئا وهو بذلك يسوء التقدير قبل الأدب.

يملك الكبار في السن من الآباء والأمهات والأجداد والجدات من الخبرات والتجارب ما لا يملكه المراهق أو الشاب الناشئ في مقتبل العمر، وبغض النظر عن المستوى العلمي للشاب والفتاة فإن الخبرة وخصوصاً في أمور المعاش والحياة تنقصهما وهي ما تملكه الجدات والأجداد؛ نظراً لما مروا به من تجارب شخصية كثيرة عرفوا من خلالها الأخطاء وبالتالي كيفية تفاديها.

كنت كثيراً ما أجلس مع جدتي - رحمها الله - منذ طفولتي الأولى وإلى ما قبل رحيلها عن الدنيا قبل عام ونصف، وأنا في منتصف الثلاثين من العمر، وكنت أتحدث معها بالساعات وأصغي إلى تجاربها الشخصية أو إلى تجارب من عاصرتهم وعايشتهم وفي كل مرة أخرج بفائدة أو حكمة تعينني على مكابدة الحياة بشتى مناحيها الاجتماعية والعائلية والعملية.

أتذكر وأنا في بداية العشرين من العمر أنني مررت بمشكلة كنت أراها آخر الدنيا ونهاية المطاف في ذلك الوقت، وشعرت بأنني لن أستطيع تجاوزها في يوم من الأيام، وكما هي عادتي كنت أبث بشكواي وهمومي إلى جدتي، وكانت تسليني وتصبرني وكان مما قالته لي: ”شوف يا ولدي، إن الله - سبحانه وتعالى - في هذه الدنيا قد يعجل الخيرات والمسرات إلى بعض خلقه ويؤخر لهم الشدائد، والبعض الآخر يقدم لهم الشدائد في البداية ويدخر لهم المسرات والأفراح في النهاية ولعلك يا ولدي من النوع الثاني الذين يدخر الله لهم الخيرات آجلاً“... كانت كلماتها تلك بمثابة البلسم الذي ساعدني في ذلك الوقت على تجاوز همومي، وما زال يساعدني إلى يومنا هذا كلما واجهت صعوبة أو مشكلة وأنا اتذكر صوتها الرخيم وهي تردد كلماتها تلك.

بالفعل كثيرون هم الذين ”ما عندهم ما عند جدتي“ رحمها الله، من الحكمة والصبر والتجارب وتدبير الأمور والتعامل مع الناس والأخلاق والإيمان، وهكذا يجب أن يكون الاعتقاد بالجدات أطال الله بأعمار الباقين ورحم الماضين منهم.