آخر تحديث: 25 / 1 / 2022م - 11:56 م

المرض الهولندي!

حسين أنور السنان صحيفة اليوم

هذا الأسبوع وفي استراحة قصيرة خلال ساعات الدوام كنت أتحدث مع أحد الرؤساء في العمل عن الأوضاع الاقتصادية وانخفاض أسعار النفط والتراجع الكبير في سوق الأسهم التي تعاني من عمليات المضاربة العالية الخطورة على المضارب الذي يكون في العادة غير مدرك لأبسط أساسيات السوق ويعتمد في مضاربته على ردات الفعل الجماعية الغوغائية والذي دائماً ما يطلب تدخل الدولة لمساعدته في كل مرة يخسر فيها احدى مغامراته المالية غير المحسوبة! ثم تشعب الحديث عن عزوف الناس بشكل عام عن ممارسة الاستثمارات الحقيقية المجدية وعن تطوير أدواتهم المعرفية والمالية، وفي تلك الأثناء سألني، هل قرأت حول المرض الهولندي؟! ولم يكن من الصعب علي بعد دقائق قليلة من الاستراحة إيجاد عشرات المصادر وبمختلف اللغات التي تتحدث عن المرض الهولندي عبر محرك البحث جوجل!

المرض الهولندي ليس فايروسا يصيب الإنسان أو الحيوان وليس وباء جرثومياً معدياً، ولن تجد له تعريفاً يذكر في كتب الطب والأمراض والأوبئة، ولكنه مصطلح اقتصادي عرفه العالم منذ قرابة السبعة والثلاثين عاماً وتحديداً في عام 1977م عندما نشرت مجلة «الإيكونمست» البريطانية موضوع تراجع قطاع التصنيع في هولندا بعد اكتشاف حقل كبير للغاز الطبيعي سنة 1959م ووصفت ذلك التراجع في النمو بالمرض الهولندي.

أصيب الشعب الهولندي بحالة من الخمول والكسل بعد اكتشاف آبار النفط والغاز في بحر الشمال، حيث مال الناس لحياة البذخ والترف بسبب الوفرة المالية، وزادت أعداد العاطلين عن العمل لأنهم ببساطة كانوا يتلقون رواتب ودعما لا محدودا من الحكومة الهولندية آنذاك واكتشفوا أن استحقاقات البطالة أجدى لهم مادياً من العمل نفسه، فكان أن تقلص الإنتاج والنمو المحلي واعتمد الشعب الهولندي على المنتجات المستوردة من الخارج بسبب ارتفاع سعر صرف العملة المحلية التي زاد من قيمتها الحصيلة الهائلة من الموارد الطبيعية والتي أدت بالنتيجة إلى ارتفاع أسعار المنتجات المحلية القليلة من الأساس أمام المنتجات المستوردة وكانت النتيجة هي جمود القطاع الصناعي والإنتاجي بشكل عام وبالتالي قلة الوظائف وتفشي البطالة، واستمر هذا الحال حتى بدأت آبار النفط والغاز بالنضوب تدريجياً.

المرض الهولندي أصاب بلدانا كثيرة بنفس المسببات وبنفس المعنى الذي يُعّرفه الخبراء الاقتصاديون «بمفهوم العلاقة بين التوسع في استغلال الموارد الطبيعية، وبين الانكماش في مجال الصناعات التحويلية، وهي نفس العلاقة التي تفضي إلى مزيد من العوائد المالية وقليل من فرص العمل الوطنية».

واقع الحال ان المرض الهولندي ليس محصوراً بشعب هولندا فقط كما يذكر التاريخ، فمن الممكن أن يصيب أي شعب يعتمد على الثروات الطبيعية ويركن إلى الراحة والدعة ويجمد عن النمو والتطور، كما حدث في أستراليا وأسبانيا ونيجيريا وأذربيجان على سبيل المثال لا الحصر، وهناك بلدان تعرضت لنفس العوامل المسببة له وهي إمتلاك ثروات طبيعية هائلة

ولكنها تجاوزته واستثمرت ثرواتها في تطوير صناعاتها وإنتاجها كالنرويج التي تمتلك أكبر صندوق سيادي في العالم.

يبقى السؤال المهم الآن هو، هل نحن مصابون بالمرض الهولندي بشكل أو بآخر؟! وإذا كان الجواب نعم! فماذا يجب علينا فعله لعلاجه؟ وكيف نتفادى النتيجة النهائية والحتمية له والتي أصابت غيرنا من الشعوب خصوصاً وأن المخزون النفطي لدينا مازال كبيراً جداً ومازالت أوجه التنمية واستغلال الثروات وترشيد استهلاكها مفتوحة على مصراعيها ولم تغلق بعد. لست خبيراً اقتصادياً ولا أكاد أفهم من الاقتصاد إلا رؤوس أقلام وعناوين عامة عريضة ولكني أؤمن بأن استثمار الثروات الوطنية وتنميتها وترشيد استهلاكها يعود بالنفع أضعافاً مضاعفة على المواطنين وعلى الأجيال القادمة.