آخر تحديث: 25 / 1 / 2022م - 11:21 م

داعش من الأخير

اختزال الإسلام بشكل وقالب واحد

حسين أنور السنان صحيفة اليوم

داعش الجماعة أو الكيان يحاول أن يتخطف الإسلام كما غيره من الجماعات الإسلامية المتعصبة، التي ظهرت على مر العصور الإسلامية، وشكلت الفهم الديني الخاص بها حسب أدبيات محددة تؤطر وتختزل الإسلام في شكل وقالب واحد، وترفض كل ما هو مغاير ومختلف، وحيث إن هذه الممارسة طبيعية على المستوى النظري ومنذ نشأة الفرق والمذاهب الإسلامية التي ظهرت منذ بدايات العصور الإسلامية الأولى بغض النظر عن توجهاتها المختلفة التي تبدأ من تلك الفرق التي تؤمن بممارسة العبادة وفق فهم معين، لا يتدخل في عبادة الآخرين وصولا إلى الفرق التي نصبت من نفسها ولياً وحافظاً للدين، ومارست التدين بوجهه الحركي الدعوي، أو حتى الجهادي التكفيري، الذي يتجاوز فكرة دعوة الجماعة إلى ما هو أبعد عبر السيطرة والانتشار.

كل الفرق الإسلامية تحمل في جعبتها الكثير من التفسيرات المنبثقة من أدبيات الدين نفسه، سواء من القرآن أو السنة، والتي تدعم فكرتها وتؤصل لممارساتها الدينية، ولا توجد جماعة دينية إسلامية واحدة تتخذ من غير المصادر الإسلامية منهجاً لممارساتها العبادية والاعتقادية.

ما المشكلة إذاً؟ ولماذا كل هذا التناقض والتباين بين المسلمين؟ ومن هو المسؤول عن هذه النتيجة التي نعيشها اليوم؟

فكرة الاختلاف بحد ذاتها غير سيئة، بل إنها من البديهيات العقلية التي تعتبر من سنن الحياة ومن الصعب بل من المستحيل أن يتبع الناس منهجاً واحداً ويعتنقوا مساراً وحيداً حتى من داخل المذهب الواحد، فتلك المثاليات الوردية التي تنادي بوحدة الفهم والتطبيق لم يستطع أحد لا من المسلمين ولا من غيرهم فرضها لا بالمنطق والبرهان على الناس ولا حتى بالقوة، وتعايشت المجتمعات معها لمئات من السنين بالرغم من كل الصدامات والتباينات التي تعلو وتيرتها وتنخفض في كل مرحلة ولم تصل إلى التصعيد القمعي الإرهابي إلا عندما تقاطعت مع أطماع سياسية أو اقتصادية.

داعش المجرمة ليست فكرة دينية أو عقائدية وحسب بل هي أبعد من هذا بكثير، وإن كانت في ظاهرها تروج لفكرة إقامة الخلافة وتطهير الأرض من الشرك والرجس إلا أنها في واقعها وحسب القراءة السريعة لتحركاتها على أرض الواقع تكشف عن وجه آخر لا يعترف بالدين نفسه، وأعمالها الإرهابية خير دليل على تجرد تلك الجماعة من كل قيم الدين والأخلاق. فاستخدامها المفخخات البشرية لتصفية أعدائها لا يرتكز على أي نص ديني، فالإسلام لا يبيح الانتحار حتى لو كان السبب قتل ”المشركين“ ولم يقم بهذا الفعل لا الرسول الكريم ولا أهل بيته ولا أصحابه تجاه أعداء الدين.

كما أن السلسلة الطويلة من ترهاتها التي شرعنتها مثل اغتصاب النساء وبيعهم في سوق النخاسة، وقتل غير المحاربين من الرجال والصبية والنساء وسفك دمائهم وقطع رؤوسهم والتمثيل بجثثهم بشاعة لا يوجد لها في أدبيات الإسلام أي تبرير، إلا في تلك الأدبيات الشاذة التي وضعها أمثالهم عبر العصور. إن خلط داعش لمفاهيم الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستعانتها ببعض خطابات التحريض المتوارية خلف عباءات بعض رجال الدين المتعصبين، كانت البداية الحقيقية لإنطلاق أعمالها القذرة، وهي التي مهدت الطريق للتعاطف الذي نالته في بداية انطلاقتها من بعض المأزومين والمهوسين بتصفية الحسابات المذهبية.

كانت داعش إلى وقت قريب تمارس غيها بعيداً عنا في المملكة والخليج، لذا لم نتحسس خطرها الفعلي بحق، ولكننا منذ حادثة الدالوة ومن ثم القديح والعنود، انتهاءً بالكويت، أدركنا وجهها الحقيقي الذي طال اخواننا في سوريا والعراق، وعرفنا يقيناً أن خطتها سياسية قذرة تستخدم الطائفية التي تشبعناها كلنا في أوقات الرخاء كوقود لتحقيق أهدافها التي راهنت على تحققها بشق النسيج الاجتماعي للدول التي تستهدفها.

تفويت الفرصة عليها ومحاربتها مسؤوليتنا جميعاً كمجتمعات وحكومات، ومحاربتها لا تقتصر على الشق الأمني والعسكري فقط، بل يجب أن تبدأ من الجانب الفكري الذي راهنت عليه في البدء. باتت الصورة اليوم أكثر وضوحاً لنا وبات من الواضح لنا جميعاً من أين يجب أن نبدأ لاجتثاث هذا السرطان من جسد الأمة.