آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

ويسألونك عن الرواية

حسين رضي الضوء *

لا تزال الأغلبية، ومنهم الكثير من المثقفين، تعتقد أن الرواية لا تتعدى حدود القدرة على السرد والوصف ضمن قصة تدور أحداثها في مكان ما وفق خط زمني محدد، وأن الأمر لا يتطلب سوى إبراز عضلات لغوية وتسطيرها على عشرات الصفحات لنطلق على العمل بعد ذلك مسمى ”رواية“.

ولا شك أن ذلك، أي الجهل بالمعنى الحقيقي للرواية، ساهم بشكلٍ كبير في عزوف الطبقة المثقفة عن قراءة الروايات أو كتابتها، والاعتقاد بأنها أقل شأناً في قيمتها الثقافية من الكتب والمخطوطات والأبحاث العلمية، وقد ساهم ذلك في تدهور الرواية العربية، فضلاً عن التهميش التام الممارس على الأدب بصورة عامة في المدارس والترويج بأفضلية التخصص العلمي «الطبيعي» على التخصص الأدبي «الشرعي».

تُعرّف الرواية على أنها سرد نثري خيالي طويل، وفي كل كلمة من الكلمات الأربع، ”فلتر“ يستثني الرواية عن أنواع الأدب الأخرى. فالكلمة الأولى، ”سرد“، تستثني أحد أقسام الأدب المبني على الحوار، وهو المسرحية. وكلمة ”نثري“، تستثني العمل الأدبي المبني على الشعر وهو الملاحم. أما ”خيالي“ تستثني السِيَر بنوعيها الذاتية والغيرية. وأخيراً ”طويل“ تستثني القصة القصيرة والأقصوصة.

ولكن.. لننظر إلى ما يميز الرواية عن الكتابات الأخرى وبالخصوص العلمية والتي يظن الكثير بأنها أكثر أهمية حتى وصل الأمر لتسفيه الرواية وقرائها.

الكتابة العلمية كالمقال أو الكتاب العلمي «الغير خيالي»، يعتمد فيها الكاتب الأسلوب المباشر، فهو إما معارض لفكرة ما أو مؤيد لها لأسباب يذكرها ويسهب في تفصيلها في عدة فقرات «برجرافات»، فهو يذكر بشكل صريح ما يود إيصاله مستندا لحجج وبراهين واضحة تعزز من موقفه. في حين أن الرواية تحذو بذلك خطوة إضافية على المقال أو الكتاب العلمي، إذ أنها تصوغ جميع ذلك وفق حبكة درامية في قالب مشوق لتجذب القارئ وتجعل من القراءة مادة علمية ممتعة عوضاً عن مادة علمية صماء.

تعد الكتابة الأدبية أصعب بكثير من الكتابة العلمية، فالروائي يحتاج للتعامل مع أدوات عدة لبناء النص الروائي. كخلق الشخوص وإحيائها برسم طموحاتهم وآمالهم ونقاط قوتهم وضعفهم ومخاوفهم، ويحتاج الروائي لمداورة الأصوات بين صوت الروائي وصوت الحوار بين الشخصيات وصوت أفكار الشخصيات في رؤوسهم «المونولوج»، ولابد أيضا من التلاعب بالخط الزمني للأحداث بين الماضي والحاضر، واستخدام الاستعارات والتشبيهات للتلميح، وكل ذلك يجب أن يكون ضمن حبكة درامية متقنة ومتماسكة دون ثغرات أو تخلخل. ولذلك يُعد نقد الرواية أمرا صعباً إذ أنها لا تناسب أصحاب العقول المتوسطة، بل هي لحادِّي الذكاء الذين يستطيعون تفكيك النص إلى أدواته الأولية.

تعتمد الكتابة العلمية على الاستدلال العقلي والمنطقي، فهي بذلك تخاطب العقل فقط، في حين تخاطب الرواية كلاًّ من العقل والقلب، فالروائي يستطيع تحريك العواطف والمشاعر للقارئ عبر شخوص الرواية التي انغمس بدوره القارئ فيها وصار يعيشها كما لو هو بطلها، يعيش صراعاتها ويتألم لآلامها. فبالتالي تصبح فكرة الكاتب المراد ترويجها أدعى للقبول لدى القارئ، ولذلك تعد الروايات أفضل الخيارات لغرز القيم في المجتمع.

تظل الرواية.. أدباً، يُكتب لتأريخ حيوات واقعية عاشت صراعات كانت تشغل المجتمع في الوقت الذي كُتبت فيه، ويؤرخ ثقافات المجتمع ويصور معيشته ويحفظ تراثه لسنوات.

أخيراً، لنتعلم أن نقرأ الأدب كعمل جمالي مهم في تقويم سلوكياتنا، وأن الجمال قيمة أساسية ثمينة تستحق القراءة بالخصوص في هذا الوقت والمجتمع اللذان يواصلان محاربتهما، عفويا، لمعالم الجمال كالفن والموسيقى

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
حسن إسماعيل
[ الجش ]: 13 / 6 / 2015م - 9:41 ص
أجدت وأبدعت أبو علي.
القطيف