آخر تحديث: 26 / 1 / 2022م - 12:41 ص

السرورية.. ”يقتلوا القتيل ويمشوا بجنازته“!

حسين العلق *

ورد في طرائف الأعراب، أن أعرابيا ادّعى النبوة، وصار يصيح في الأسواق بقول الله تعالى ”يا أيها الناس اني رسول الله إليكم فاسمعوا لي وأطيعون“، فما كان من مجنونٍ آخر إلا أن صفعه على وجهه، ثم جذبه إليه وأخذ يوشوش بهدوء في أذن مدّعي النبوة بقول الله تعالى ”ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه“!. تذكرت هذه الطرفة وأنا أقرأ بيان رجال الدين السروريين ردا على ”داعش“، الأحد 31 مايو، اثر التفجيرات الانتحارية بحق المصلين الأبرياء في قديح القطيف وعنود الدمام، والتي راح ضحيتهما 26 شهيدا في أسبوع واحد!

هذا البيان العتيد نفسه الذي أراد موقعوه تحذير أفراخ ”داعش“ من الغلو وتداعياته انطوى هو نفسه على غلو مشابه! فقد وصف موقعو البيان ضحايا الجريمتين الوحشيتين، الذين استهدفوا في مساجدهم راكعين لله، بالمبتدعة واصحاب الإنحرافات العقدية!، إلا ان الموقعين كانوا ”رحماء جدا“ في هذا البيان، فلم يبيحوا دماءنا كما سبق أن فعلوها مرارا وتكرارا. حتى غدا حالنا بين جماعة داعش وجماعة السرورية، كما صوره الشاعر: وسوى الروم خلف ظهرك رومُ... فعلى أي جانبيك تميلُ!

إن أهم ما ينبغي أن نلتفت إليه في عمل هذه الجماعة هي قدرتها العجيبة على التلوّن. وذلك تبعا للضغوط الأمنية أحيانا، أو ما يطلبه الجمهور تارة أخرى! فهذه الجماعة التي تمثل في جوهرها خلطة سلفية نجدية من جهة، واخوانية مصرية من جهة أخرى، جمعت بين تشددها السلفي وحركيتها الاخوانية، حتى غدت باستمرار الحاضنة الفكرية الداعمة للتنظيمات المسلحة المتشددة التي تتلطى خلف شعارات الجهاد المزعوم، منذ الحرب الأفغانية ووصولا للمليشيات المسلحة في سوريا، كما صرح بذلك بيانهم المذكور نفسه!.

ان ردود أفعال هذه الجماعة التكفيرية تجاه الجرائم الإرهابية في الدالوة والقديح والدمام تشي بانتهازية لا حدود لها. فهؤلاء المتشددون يمارسون التحريض والتكفير على مدار الساعة، حتى اذا وقعت الفاجعة لبسوا جلود الحملان ونكسوا رؤوسهم للعاصفة قليلا، وشرعوا يعربون عن مواقفهم الباردة ويرسلون تغريداتهم الملتوية، كما لو ان الشهداء سقطوا بسبب إنفلونزا الطيور، لا نتيجة أعمال ارهابية كانوا هم أول المحرضين عليها في خطبهم ودروسهم وصفحاتهم على الانترنت، سواء اعترفوا بذلك أم لم يعترفوا. هنا بالذات تتجلى عند هؤلاء أبرز مظاهر الانتهازية والتلوّن والرقص على دماء الأبرياء.

ويلي ذلك، ما يسميه مثقف صديق بالهجمة المرتدة لدى هذا الفريق. حيث يعمد هؤلاء وعلى نحو جماعي في استيعاب أي أثر للتعاطف مع ضحايا التفجيرات الإرهابية في أوساط الشارع، والوقوف سدّا منيعا في وجه أي ”نوايا“ للإصلاح أو التصحيح، او الدعوة للاعتدال وتفكيك حواضن الارهاب. وقد فضح البيان الذي نحن بصدده كل ذلك، فالموقعون لا يريدون بأي شكل اتاحة الفرصة لتنقية المناهج الدينية من التكفير، ولا وقف القنوات التحريضية، ولا نقد الخطاب الديني المتشدد ولا التعرض بكلمة للدعاة التكفيريين أمثالهم، ولا وقف الدعم للمجموعات ”الجهادية“ التي تعيث في بلاد العرب فسادا. حقيقة الأمر، هم لا يريدون أن تقيد أيديهم أو أن يضيّق على مشروعهم التدميري الذي يقود البلاد والعباد للتفكك والهلاك.

في المحصلة، ينبغي ان يكون مفهوما ان خلاف الجماعة السرورية مع داعش هو خلاف في التكتيك لا الاستراتيجية. فالفريقان متطابقان تماما في البنية الفكرية التكفيرية، والأهداف الإستراتيجية، وعلى رأسها الاستيلاء على السلطة بالإطاحة بالنظم الحاكمة بقوة السلاح، بل واستخدام الوسائل الوحشية نفسها ان لزم الامر، اللهم لا يفرق بينهما إلا ان الأول يمارس همجيته دون حساب للعواقب، فيما الفريق الآخر يخشى أن تعود هذه الأفعال بالضرر على منظومته الفكرية ومشروعه السياسي، وإلا فهما في الجنون سواء كما الأعرابيان أعلاه. باختصار السرورية ينطبق عليهم المثل الشهير ”يقتلوا القتيل ويمشوا بجنازته“!

كاتب سعودي