آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

الدالوة والقديح: الإعتراف بالمشكلة المحلية فضيلة

حسين العبد الجبار

وفر بيان «جنود الخلافة بولاية نجد» التابع لداعش عناء البحث مجدداً عن الجاني، وحدد للسعوديين نقطة البداية لمنع المزيد من الكوارث الطائفية. البيان أوضح بلا لبس أن هناك فكر تكفيري محلي سعودي لم تُروه دماء دالوة الأحساء ولم يكتفي بدماء قُديح القطيف. فتوعد البيان المواطنين الشيعة بالمقبل من الأيام السود حتى إخراجهم من الجزيرة العربية. فهذا الفكر يرى أن الشيعة مشركون وأن مساجدهم التي يصلون فيها الجمعة معابد يستخدمونها لسب الصحابة.

من الحماقة اليوم التغاضي عن أصوات التحريض الطائفي المكشوف في القنوات الفضائية ووسائل التواصل الإجتماعي. لم يعد مجدياً إلقاء اللوم على الآخرين وتسويف الوقت في التحليلات الفارغة، ولن تجدي نفعاً بيانات الإدانة الخجولة التي تلعن المجرم ولا تترحم على الضحية. البيانات الوطنية هي تلك التي تدين المجرم وتترحم على الشهداء وتعزي ذويهم وتدعوا لهم بالصبر والسلوان. وإن كان صاحب البيان جهة دينية فمن واجبه أيضاً تبيين فظاعة هتك بيوت الله وحرمة كتابه الكريم ولا سيما في يوم الجمعة. ما يحتاجه السعوديون اليوم هو التحلي بالشجاعة والمسؤولية للإعتراف بوجود هذا الفكر الضال كثقافة ومنهج للكثيرين.

هذا المنهج لم يرسِ أعمدته ويكون له شعبية واسعة من فراغ. فإلى الأمس ما زال هناك نقاش حول اعتبار شهداء القديح شهداءً أم مجرد قتلى. وتبين ذلك جلياً على لسان أحد رجال الشرطة في الفيديو المتداول حين ترحم على الإنتحاري مستفزاً أهالي الشهداء بدلاً من أن يخفف عليهم ويطمئنهم بأن العدالة ستأخذُ مجراها. كذلك كان مراسل قناة «الإخبارية» الذي وصف الشهداء بالقتلى مما أثار حنق الأهالي المفجوعين. لا شك أن هؤلاء سيعاقبون. ولكن هاتين الحادثتين يدلان على وجود ثقافة عامة تشكك بإسلام الشيعة ووطنيتهم نتيجة تراكمات طويلة من فتاوى التكفير ومناهج التعليم الإقصائية. ولن يكون الحل بعقابات فردية.

منذ بداية المشكلة السورية ازداد الخطاب الطائفي في السعودية بلا رادع وتفاقم في شدته بعد المشكلة اليمنية. وتم التشكيك في وطنية الشيعة والإستهزاء من عقائدهم في الصحف المحلية والقنوات الفضائية ووسائل التواصل الإجتماعي. بل وصل الأمر إلى حد تهديد شيعة السعودية والخليج علنياً. وكان العقلاء يحذرون من خطورة هذه التهديدات على السلم الأهلي واللحمة الوطنية ونادوا إلى ضبط الإعلام وتجريم الطائفية. فالحروب الأهلية إن اشتعلت فهدامة للأوطان بكل مكوناتها ومقدراتها، لا تفرق بين سني وشيعي ولا بين جنوبي وشمالي، ولا غالب فيها ولا منتصر وإنما الجميع مغلوب. وليس العراق وسوريا ببعيدتين ولا نتاج الحرب الأهلية في لبنان يخفى على العقلاء.

لا شك أن أحباءنا وإخواننا من المذهب السني يتألمون لهذا المصاب الجلل. فالوطنيون الإنسانيون هم الأغلبية في مجتمعاتنا. ورغم تلوث وسائل التواصل الإجتماعي بمخرجات التكفير إلا أن صوت الوطنيين علاهم هذه المرة. وكان لأحباءنا بني خالد موقفاً كالبلسم الشافي حين وقف أحدهم بعد تبرعه بالدم خاطباً ومعبراً عن ألمه ومواسياً وداعياً لإخوانه القطيفين بالصبر والسلوان والسلامة في الوطن.

غداً في تشييع الشهداء وكما كان في الدالوة، سينادي المشيعون بوحدة الوطن وعدم الإنجرار للفتن. لكن ذلك لن يكون كافياً لمنع المزيد من سفك الدماء المؤدي للإحتراب الطائفي. فتشريع قانونٍ حازمٍ يجرم الخطاب الطائفي ويعاقب المحرضين من أي منبر كان، أصبح ضرورة وطنية لردع العابثين بأمن الوطن. وكما أن الثقافة تواجه بثقافة، فيجب أن تكون مراجعة مناهج التعليم وتنقيتها من الطرح الإقصائي جزءاً من خطة طويلة الأمد لتخريج العقول الوطنية المتحابة والمتسامحة بدلاً من العقول المفخخة والإقصائية. ويبقى على الإعلام الرسمي المسؤولية الكبرى في الترويج للخطاب الوطني العاقل والإنشغال بمعالجة هذه المشكلة الحساسة بعيداً عن المشكلات الخارجية وتشنجات المحللين الطائفية.

رحم الله شهداء القُديح الطيبة وألبس جرحاها لباس الصحة والعافية.