آخر تحديث: 29 / 1 / 2022م - 7:03 ص

رسالة إلى الأم السعودية

محمد المحفوظ * صحيفة الرياض

كل البشر الأسوياء حينما يقدمون إليك خدمة ما، سواء أكانت حقيرة أم عظيمة، ينتظرون منك مقابلا سواء أكان معنويا أم ماديا.. إلا الأم فهي تقدم إليك كل ما تملك دون أن تنتظر منك أي شيء آخر.

فالأم بحنانها وعطفها وحبها المتدفق إلى أبنائها جميعا تقدم كل الخدمات والمعروف ولا تنتظر من أولادها أي مقابل.. فهي الكائن الوحيد في الوجود الذي يقدم كل شيء بدون مقابل. كما أنها تقدم الخدمة إلى أبنائها مشفوعة بالحب والرأفة والتفاني.

لذلك جاء في الحديث الشريف «الجنة تحت أقدام الأمهات» لأنها تقدم الخدمة مصحوبة بحبها وحنانها وتفانيها، ولا تنتظر مقابلا.

فالأم هي العطاء بلا حدود، والحب بلا قيود، والتفاني بلا شروط.

فهي أي الأم الكائن الوحيد في هذا الوجود الذي يعطي بحب، ويخدم بمحبة، ويسهر الليالي براحة ضمير، وتبذل كل ما تملك بابتسامة عميقة.

لذلك فإننا جميعا معنيون بنيل رضا أمهاتنا، لأنها سبيل الفلاح في الدارين، ووسيلتنا لنيل الجنة التي عرضها كعرض السماوات والأرض، ونتعلم من أمهاتنا كيف نحب من حولنا، ونبذل في سبيل راحتهم، ونعطي بلا قيود..

ورسالتنا جميعنا إلى أمهاتنا، أنكن تستحققن منا كل الحب والتقدير والتفاني في خدمتكن. والباري عز وجل جعل الجنة تحت اقدامكن..

فتعالوا جميعا نبذل كل شيء في سبيل راحة وخدمة أمهاتنا.

أسوق هذا الكلام، للتأكيد على موقع الأم ودورها وضرورة احترامها وتقديرها والعناية بها في كل أسرنا وعوائلنا؛ لأن الأم هي حجر الأساس في مشروع استقرار أسرنا وسعادتها..

فالأسرة التي لا تحترم أمها، هي أسر تعاني الكثير من المشكلات والأزمات، ولعل أبرز المشكلات التي تتجلى فيها أزمات هذه الأسر هي في تجاوز حدود الأخلاق والضوابط الشرعية في التعامل مع الأم..

لأنه بساطة شديدة، الأسر التي تتعدى على مصدر الخير والرأفة والرحمة فيها، فإنها ستفقد كل عناصر الخير من وجودها وحياتها.

فلا تبخلوا على أمهاتكم بالبر والرحمة والعناية المعنوية والمادية بها. ومن يبخل على أمه، فإنه سيفقد الخير والبركة من كل حياته.

ماذا لو كسبت العالم كله وخسرت نفسك، هل تتمكن من الاستفادة من كل ما كسبته؟

ومن يضحي بأمه، مهما كسب أو ربح، فإنه لن ينال السعادة والاستقرار، لأنه تعدى على مصدر السعادة والاستقرار.

وما أحوجنا اليوم على المستوى الوطني والاجتماعي، إلى المبادرات والخطوات الخيرة، التي تتجه إلى العناية بالأم، وتوفير كل مستلزمات الاحترام والتقدير لها..

ومن انتقلت والدته إلى بارئها، يدرك حقيقة ما نقول.. فما زالت أمهاتنا بين أيدينا، فلا نبخل عليهن بالكلمة الطيبة والتعرف الحسن. فأمهاتنا جميعا هن مصدر سعادتنا، فلا نقضي على سعادتنا بإهمال أمهاتنا.

فلا فائدة ترجى من كل ما نرجوه على المستويين المادي والمعنوي، لأننا ضيعنا أنفسنا حينما نضيع أمهاتنا.

وتتأكد الحاجة إلى صيانة وحماية موقع الأم ودورها في الأسرة والحياة الاجتماعية من خلال النقاط التالية:

1. إن الحياة الأسرية والاجتماعية، التي تصون موقع الأم في حياتها، تزداد صلابة وقوة وقدرة على العطاء ومواجهة الصعاب والمشكلات..

لأن دور الأم يتجاوز الدور المادي ويتعداه، إلى أنها «أي الأم» تمارس دور حماية المنجز الأسري وصيانة وحدتها الداخلية وزيادة وتيرة التضامن والتعاون بين أبنائها، ومعالجة المشكلات البينية، التي تتطلب رؤية أخلاقية وعاطفية في معالجتها.

فالأم بموقعها ودورها وثقلها الأخلاقي والمعنوي، هي التي تصون الأسر من الوقوع في براثن الفرقة والشقاق والخلاف، كما أنها تضفي على حياة الأسرة معنى ورسالة، يتجاوزان المعنى المادي لوجودها.

فهي ضرورة لاستقرار الأسر، كما أنها هي التي تمنح الأسر الخير والبركة والمحبة.

2. إن الأم ودورها الأخلاقي والتربوي مهم، فهي التي تطيل عمر الأسر، وتمنع بعض الأبناء من التفكير الأناني الذي لا يرى إلا مصالحه. فالأم تمنح الأسر القدرة على مواجهة المشكلات والصعوبات. وهي القادرة بعد الأب وغيابه على ضبط حركة الأسرة متعاونة ومتضامنة مع بعضها البعض.

والتضحية بدور الأم، هي تضحية باستقرار الأسرة؛ لذلك فإن الأسر المستقرة تربويا وماديا، هي تلك الأسرة، التي لم يتعطل فيها دور الأم، كما أن جميع الأفراد يمنحون أمهاتهم سلطة معنوية لتسيير شؤون الأسرة وضمان وحدتها الداخلية.

3. الأسر الممتدة والواسعة، والتي تمتلك أجيالا عديدة، من أبنائها وبناتها، الأم هي وحدها القادرة على ربط هذه الأجيال مع بعضهم البعض، وتعريفهم ببعضهم، ودفعهم نحو مساندة بعضهم للبعض الآخر. فهي أي الأم، التي تمنح الجميع القدرة على الاستمرار، والقدرة على العطاء بلا حدود، والقدرة على تحمل الصعاب القادمة من اتساع الأسرة وامتدادها الاجتماعي.

فهي ضمان وحدة الأسر، وهي التي تمنح الجميع بصبر وتحمل الأذى والوقوف بوجه افتراق الأسرة أو انهيارها. فالبركة كلها في الأم، لأنها تمنح أسرتها المحبة والتعاون وتحمل أخطاء بعضهم.

نسوق كل هذا الكلام لدعوة الجميع، بمختلف الأعمار، للاهتمام بأمهاتهم، وضمان رضاها. فهي الخير كله، والعطف كله، والحنان والحب كله، ولاتستحق منا أمهاتنا إلا كل الحب والتقدير.

كاتب وباحث سعودي «سيهات».