آخر تحديث: 25 / 1 / 2022م - 10:14 م

الخطيب وطالب العلم والدين

حسين رضي أبو السعود *

في شهر شوال من عام 1355 هـ  كتب الأستاذ سلمان الصفواني «القطيفي» رحمه الله وعلى صفحات مجلة «الاعتدال» الصادرة من النجف الأشرف مقالة تحت عنوان «مشكلة آن وقت علاجها» تحدث فيها عن هجر كثير من طلبة العلوم الدينية المنتمين والمندرجين تحت عباءة الحوزة العلمية في كربلاء والكاظمية والنجف الأشرف بالتحديد مغردين صوب التعليم «التدريس» في مدارس المعارف، بل أن البعض منهم ممن تصدى للوعظ والخطابة والإرشاد في المساجد!! ويذهب الكاتب إلى أبعد من ذلك حين يبوح بمشاعره وحزنه وخوفه على الحالة التي قد تصير إليها الحوزات العلمية بقوله «وإذا دامت الحال كذلك فسوف لا يمر زمن طويل حتى تقفر مدارس الدين من طلابها وتسد أبوابها في وجوه أصحابها وهنا نقطة الخطر».

ويعزو الكاتب ذلك الهجر في ذلك الزمان إلى عاملين الأول بُعد المدرسة الدينية «الحوزة» عن مسايرة نظم الحياة الحاضرة.

والعامل الثاني وهو محور حديثنا العامل «المادي المحض» فطلاب المدارس الدينية لا يجدون اليوم ما يسد حاجتهم ويحفظ كرامتهم بين الناس، وأصبح الطالب الديني في العتبات المقدسة في حال يرثى لها!.

وبعد هذه الفترة الزمنية الطويلة نضع بين يديك أخي القارئ تساءلنا هل السببان مازالا قائمين أو على الأقل المسبب الثاني؟

في إحدى مناسباتنا الدينية الماضية مررت ذات مساء بأحد الأماكن العبادية كالعادة للاستماع فوجدته مسدل الستار مقفل الأبواب مكتوم الأصوات. بعد يوم التقيت بأحد القائمين عليه فسألته عن الحال والأسباب؟ فأجاب... «الخطابة أصبحت تجارة»!.

فتاهت نفسي بين ما قرأت وما سمعت!.

في رأيي أن طالب العلم والخطيب بالتحديد واقعان بين مطرقة وسندان، مطرقة تأمين الحياة الكريمة له والإنفاق على عياله وسندان حفاظه على الصورة النمطية المرسومة والمختزلة في فكرنا عن أئمتنا وأتباعهم حيث قرص شعير وكوز ماء وقليل من الملح ومسحة على البطن بالحمد والشكر ولا مزيد ورحم الله أبا ذر وسلمان وعماراً ورشيداً.

فهل هذا ما نريده من طالب العلم والخطيب حتى نحترمه ونقدره ونبجله ونرفعه ونثني عليه؟ فإذا ما أنسلخ من هذه الصورة فراح يهتدي الطريق إلى مصفى العسل، ولباب القمح، ونسائج القز... قفزت واعتلت من وراء الحجرات الأصوات... وكأن الرهبنة ابتدعت من جديد! فأين قول الله تعالى «قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا» فالمؤمن أحق بها «الملبس والمأكل والمشرب والمسكن بل كل مباهج الحياة» وهو متلحف ب «كلوا واشربوا ولا تسرفوا»

في الوقت الذي نطالبه فيه بالفصاحة والإبداع في الخطابة وعند كل هفوة وزلة ينهال عليه النقد الهادف منه والجارح ونردد عليك بتطوير الذات وتمييز الخطأ من الصواب، أليس الخطيب وطالب العلم يحتاج إلى تفرغ وتفرغ وتفرغ للعلم وكما قيل تعطيه كلك فيعطيك بعضه، فكيف بالخطيب وطالب العلم من ذاك إذا ضاق حاله وقلت يده وتوشح بالفقر والفاقة بيته!.

نعم البساطة والزهد والكفاف والقناعة وصفاء الطبع هي القيم التي توصف بها الحوزة وطلابها ولكن يظل الخطيب وطالب العلم مطوقاً بعاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا وقد تأسره حياتنا بزخرفها وطيبها وبريقها ولمعان مفاتنها، ودعونا لا نجعل حياته حركاته سكناته تحت المجهر ومشرحة النقد فهو بشر يخطئ ويصيب ودعونا نحاكمه بالموازين القِسط... أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد وهذا هو المقياس.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
مطيع الله
[ الرياض ]: 14 / 2 / 2015م - 10:49 ص
احسنت اخ حسين
من اجمل ما قرأت
سلمت يداك على وعيك وبصيرتك
طبيب بيطري – ماجستير طب وقائي - القطيف