آخر تحديث: 26 / 1 / 2022م - 12:41 ص

التجديد والاستقرار السياسي

محمد المحفوظ * صحيفة الرياض

يبدو وفق التجارب السياسية العديدة، أن تجديد الحياة السياسية وإدخال دماء وعناصر جديدة، تبث الحياة والحيوية، وتزيل العديد من عناصر الجمود والرين، هو إحدى الوسائل الأساسية التي تستخدمها العديد من الدول لتجديد ذاتها وطرد عناصر الخمول عنها.. إلا أن ظاهرة الربيع العربي ومآلاتها العديدة، تثبت أيضا، أن إدخال عناصر شابة وحدها، لا يؤدي إلى تجديد كامل للحياة السياسية، وإنما إضافة إلى تجديد في الكادر البشري، هي بحاجة أيضا إلى تغيير بعض قواعد اللعبة وتبديل بعض المسلّمات السياسية وكذلك بعض الخيارات المتعلقة بتوسيع قواعد ومسارات المشاركة الشعبية في الشؤون العامة..

لأن الحياة السياسية كالكائن الحي، إذا لم تجدد وتتطور، فإن بقاءها لفترة طويلة على نسق واحد، يجمد هذه الحياة، وتتسع من جراء عملية الجمود وثقوب الفساد والانحلال الداخلي والتآكل المستمر.

لذلك فإن موقع الديمقراطية وقيم التداول في الحياة السياسية، هما المسار الضروري لتجديد الحياة السياسية، وإزالة عناصر الترهل واليباس، وإعطاء دفعة مادية ومعنوية جديدة لتطوير الحياة السياسية والوطنية.

وإن التجارب السياسية التي لا تتعرض إلى التجديد والتداول، هي تجارب غير قادرة على مواكبة المستجدات واستيعاب الجيل الشاب بأفكاره الجديدة، وطموحه الذي يتعدى حدود ما هو قائم ومستمر..

فالخيارات السياسية التي لا تتجدد ولا تتطور على المستويين البشري والفكري بمعنى الخيارات والسياقات الجديدة، التي تدخل في تطوير هذه الخيارات، فهي خيارات تتحول مع الزمن، من مصدر للرفعة والعزة إلى أهلها ومحيطها، إلى منبع لتأبيد السائد ومناكفة الجديد ومحاربة كل نزعات التطوير والإصلاح.

وتكلس الحياة السياسية والاجتماعية، يفضي على المستوى العملي إلى تشكل أصوات وحالات شعبية ترفض بشكل جذري هذه الحالات، وتعمل في الخفاء والسر لحشد ذاتها للانقلاب الكلي على هذه العملية، أو تغيير بعض قواعد اللعبة السياسية.

بمعنى أن ترهل الحياة السياسية وتكلسها في كل الدول، وانسداد آفاق الممارسة السلمية القانونية والسلمية والقادرة على امتصاص مساحات اجتماعية واسعة، كل هذا يهيئ المناخ الاجتماعي والثقافي لولادة خيارات العنف والإرهاب.

وأحسب أن هذه الفرضية، بحاجة إلى الكثير من النقاش والتأمل، لأنها فرضية قائمة على إيجاد ربط واقعي وفعلي بين فشل أو تراجع الحياة السياسية أو جمودها وتكلسها، بمعنى أنها غير قادرة على إقناع شعبها ومحيطها الاجتماعي بخياراتها ومساراتها العملية، وبين ولادة خيارات العنف والإرهاب في المجتمع.

بينما الحياة السياسية والعامة، المحكومة بشكل دائم بقيم الديمقراطية والتداول، هي حياة مستقطبة للكفاءات والدماء الجديدة، ولا زالت لديها القدرة عبر ميكانيزماتها الداخلية والاجتماعية على إقناع مساحات اجتماعية أساسية بأنها هي سبيل التجديد والتطوير.

وحينما تتوفر من ناحية الرؤية والقبول الاجتماعي الواسع، فإن الجهود البشرية الجديدة لا تتجه صوب الانقلاب على هذه الحياة، وإنما الانخراط فيها والتنافس وفق آلياتها وشروطها المجتمعية.

أما المجتمعات التي تتضاءل فيها مساحات العمل العام، ويتم تقييدها بالكثير من الشروط والقيود، بحيث تصعب عملية الانخراط في مساحات العمل العام، فإن هذا المناخ، يصبح من الناحية الفعلية طاردا للدماء الجديدة والطاقات الاجتماعية الطموحة والتي تبحث عن دور ووظيفة في الشأن العام.

وحينما تتسع دائرة اليأس والإحباط من الحياة العامة القائمة، ستتبلور خيارات من القاع الاجتماعي، بعضها لاعتبارات عديدة، سيتبنى خيار العنف، بوصفه هو الخيار القادر على فتح كوة، تنقل بعض فئات المجتمع من القاع الاجتماعي إلى القمة أو المقدمة الاجتماعية.

لذلك فإن التجديد الدائم للحياة السياسية والعامة، وتعزيز قيم الديمقراطية والتداول في أجوائها، هو من أهم الوسائل والطرق القادرة على وأد مشروعات العنف والإرهاب في المجتمع.

لأنه ببساطة شديدة، يسقط مبررات اللجوء إلى العنف، بوصفه خيار الصعود الاجتماعي والسياسي؛ لأن الانخراط في اللعبة القائمة، لا زال قادرا على تجديد النخب وضخ دماء بشرية جديدة في الحياة العامة.

ولعل هذه المعادلة هي التي حالت دون صعود جماعات العنف اليساري في التجربة الغربية الأوروبية.

إذ إن هذه الجماعات التي تتبنى خيارات العنف واستخدام الكفاح المسلح، مدعومة بشكل مباشر من كل دول وتنظيمات المعسكر الشيوعي والاشتراكي، إلا أن طبيعة الحيوية والتنافس الديمقراطي في الحياة السياسية في أنظمة أوروبا الغربية، هو الذي قلص إلى حد بعيد المساحات الاجتماعية المتعاطفة مع جماعات العنف اليساري.

وفي المقابل فإن الجماعات السياسية التي تطالب بالإصلاح والديمقراطية في دول أوروبا الشرقية، كانت تحظى باستمرار بقبول اجتماعي، وتتسع دائرة المؤيدين لها، لأنها تحولت في نظر الكثير من فئات وشرائح المجتمعات الأوروبية الشرقية، إلى أمل، قادر على إنقاذ أوطانهم من الجمود واليباس الأيدلوجي والسياسي.

ومن خلال عملية التراكم في عناصر القوة، تمكن منطق الإصلاح والتحول الديمقراطي، من تحقيق إنجاز تاريخي وسياسي على منطق الحزب الواحد الذي يلتهم كل المواقع ومصادر القوة والسلطة والثروة، ويمنع أبناء المجتمع من أدنى حقوقه الطبيعية والسياسية.

وعليه فإن طرد جراثيم العنف والإرهاب من الفضاء الثقافي والاجتماعي والسياسي، من أية بيئة، يتطلب العمل على تجديد الحياة العامة، وإزالة عناصر اليباس والجمود، وتوسيع المساحات الاجتماعية القادرة على المشاركة والتأثير.

هذا ما تعلمنا إياه التجارب السياسية والاجتماعية في كل الدول والمجتمعات.

لأن الجوع السياسي قد يقود إذا لم تتوفر مناخات التنافس السلمي، إلى تبني خيارات عنفية تستهدف تغيير قواعد اللعبة والتنافس القائم.

وبروز جماعات داعش والنصرة وأخواتهما بعد تحولات الربيع العربي، لا تتحمل مسؤوليته النخب السياسية والاجتماعية الجديدة، وإنما تتحمل مسؤوليته حالة الجمود السياسي والوطني التي سادت مجتمعات ودول الربيع العربي، فتشكلت هذه الجماعات في القاع الاجتماعي، وبدأت بالتمدد والانتشار تحت يافطات دينية وخدمية، وحينما تعزز موقعها الاجتماعي، أعلنت عن ذاتها وخياراتها..

فبراعم العنف والإرهاب، تتشكل في ظل أوضاع سياسية واجتماعية جامدة، يابسة، وتقف موقفا مضادا من التطوير والتجديد، وتتغذى هذه البراعم من طبيعة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي تنتجها خيارات الاستئصال والعنف.

فجماعات الإرهاب، ليست نبتة صحراوية، وإنما هي نتاج خيارات ومشروعات وتتسع باستمرار من أخطاء وخطايا هذه الخيارات والمشروعات، ولا يمكن القضاء على هذه الجماعات، إلا بسحب البساط الاجتماعي منها، ولا يمكن تقليص مساحة تأثيرها وتأييدها الاجتماعي، إلا بتجديد الحياة العامة، وفتح الطريق أمام قوى المجتمع المختلفة للتعبير عن ذاتها ورؤيتها لراهن مجتمعها ومستقبله.

كاتب وباحث سعودي «سيهات».