آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

الكوارثيّة والوتيريّة والتاريخ

حسين إسماعيل *

نظرة الإنسان للتاريخ تحدد وجهة مستقبله، وإذا بقيَ مفهومنا للتاريخ كما هو فسنبقى كما نحن أو أسوأ. قراءتنا للتاريخ لا تزالُ تعاني من تَبِعات أفكار قديمة خاطئة تغلغلتْ في مناهجنا حتى صارت لا تُلاحظ.

ظلّت فكرة الكوارثيّة «Catastrophism» تسيطر على علماء الطبيعة قروناً عديدة. الكوارثيّة باختصار تقول أن الأرض كما نعرفها اليوم تشكّلت بفعل كوارث طبيعيّة كوّنت البحار والقارّات بجبالها وأوديتها وبراكينها. وهذه النظرة للكون كانت متّسقة مع الفهم الإنجيلي وقصص بني إسرائيل من الفيضانات والحوادث الطبيعية. في القرن الثامن عشر ظهرت فكرة جديدة صاغها الجيولوجي جيمس هيوتون: الوتيريّة «Uniformitarianism». يمكن اختصار فكرة الوتيريّة في العبارة المتداولة:“الحاضر مفتاح الماضي”، وهي تعني باختصار أن الظواهر والقوانين الطبيعية المُنتظمة في الكون اليوم لطالما وُجدت وبنفس الوتيرة؛ أي أن التدرّج الذي نشاهده في تكوّن أو تعرّي بعض التضاريس كان ولا زال حاصلاً دون تدخلات طبيعية كارثيّة. الوتيريّة غيّرت نظرة علماء الطبيعة للكون والأرض تحديداً، فتشارلز داروين صاحب نظرية الارتقاء كان متأثراً بها، والنظرة الإنجيلية لعمر الأرض انحسرت حين تيقّن العلماء أن ستة آلاف سنة لا توفّيها حقّها أبداً. أما اليوم فالنظرة الجيولوجية الحديثة هي تزاوج بين الفكرتين «الكوارثيّة والوتيريّة». الأدلّة حتى الآن تُثبت أن الكوارث الطبيعية كان لها دور هائل في تغيير النظام الأرضي لكنّها لم تكن بذات القدرة التي أُعطيت سابقاً.

ولأن الجيولوجيا علم تاريخي «أي أن مادّته الرئيسية تاريخية الطبع» فيمكن رسم تصوّرٍ موازٍ للفكرتين بين الجيولوجيا والتاريخ؛ الكوارثيّة جوهرها العنصر الفجائي «أو تسلسل الأحداث من نقطة انطلاق فجائية»، بينما الوتيريّة جوهرها التدرّج «أو تسلسل الأحداث بعوامل متصلة على وتيرة واحدة». هاتان النظرتان ليستا الوحيدتين المؤثرتين في قراءة التاريخ طبعاً، لكنهما مدخلٌ لزوايا أكبر. وبإدراكهما يمكن بدء إعادة النظر في البحوث التاريخية أو المستندة على التاريخ لدينا.

باطلاع مبسّط على القراءات الحاضرة نجد أنها غالباً تميل للفجائية، فالحُقب التاريخيّة تقسّم بناء على أحداث منفردة نوعاً ما كالثورتين الفرنسية والأمريكية وحركة مارتن لوثر الإصلاحية وسقوط غرناطة ومعركة كربلاء وغيرها. هذه الأحداث صارت تُشكّل نقاط انفصال بين ما قبلها وبعدها في الطرح التاريخي، وكثيراً ما اختصرتْ عقوداً من السنين. الإشكال الرئيسي في هذه القراءة الفجائية يكمن في إهمالها للمجتمع ككائن له خصوصيته المنفصلة عن خصوصية أفراده أولاً، وقدرته على تغيير الواقع ثانياً، ناهيكم عن إسقاط الأحداث قسراً على حدثٍ وحيد مما يؤدي لربطٍ للمعلول بغير علّته. ولعلّ في حادثة جهيمان والصحوة أو واقعة السقيفة مثالين للقراءة الفجائية الاختزالية.

هنا يمكن مبدئياً طرح فكرة الوتيريّة:“الحاضر مفتاح الماضي”، أي أن ما نلاحظه اليوم من تشابكات وتداخلات بين مجالات الحياة المختلفة كان موجوداً بالسابق «باختلاف تجلّياتها». إدراك الفكرة يعني أن يُقرأ التاريخ لا من عواقب أحداث معيّنة، بل من التغيّرات البسيطة الحاصلة بين تلك الأحداث.“جيكوب بوركخارت”في كتابه «حضارة النهضة في إيطاليا» حاول إيصال نقطة شبيهة حين تناول عصر النهضة بجوانبه العديدة كالسياسة المدنية والإنسانوية والبابوية وإحياء الكلاسيكيات القديمة، فإحدى أهدافه الرئيسية كان الإلمام بالتمازج الطبيعي في تكوّن المجتمعات وتغيّرها. نعم يمكن دراسة التاريخ من جوانب دون أخرى، ولكن هذا عزلٌ وهمي وليس حقيقياً. طرح القراءة الوتيريّة يأتي في مقابل الفجائية كي يتم الاقتراب من التاريخ أكثر.

الأخذ بالفكرة لا يعني فقط الاكتفاء بجوانبها الإيجابية، فالتلاعب الإعلامي والتدليس على سبيل المثال لم يخلُ منهما زمن، ولذا يمكن مثلاً تخيّل ما صنعته سياسات الدول المتعاقبة «بمختلف مذاهبها» من دسّ الأحاديث وتلفيقها لشرعنة ممارساتها. والوتيريّة أيضاً لا تعني إلغاء أهمية الأحداث المختلفة في مجرى التاريخ بقدر كونها محاولة لفت انتباه لاتصالها الحتمي بالحاضر والتاريخ، ولذا يمكن الاستنتاج أن تزاوج الفكرتين الوتيريّة والكوارثيّة هو الأنسب للتاريخ كما هو للجيولوجيا.

تبقى الصعوبة إذاً في توضيح العلاقة بين هذه القراءة للتاريخ وتغيّر مفهومه: يمكن اختصار العلاقة بقول أن التاريخ هو كل شيء، ولا بد لفهمه من استقراء كل شيء؛ حين يُحسن الفرد ملاحظة الحياة اليومية وتشابكاتها فهو قادر على أن يعي التاريخ بعين نافذة، فهو لن يقتصر على كتب التاريخ السياسي لتفسير مجريات الكون، بل سيتجاوزها لقراءة الأدب ومطالعة الفن والغوص في العقائد والاهتمام حتى ب”توافه”الحياة اليومية للمجتمعات المراد بحثها. وقتها فقط يمكن البدء في تكوين صورة ذهنية لمجتمع كان موجوداً بدل المجتمع الذي صوّره الباحثون، ووقتها فقط يمكن تمييز التاريخ الحقيقي من الحكايات التي لا طائل منها. استيعاب أن الحاضر مفتاح الماضي يفتح آفاقاً لإعادة تفسير الظواهر المترسّبة المستعصية، ولا مناص من الإقرار بعدم جدوى القراءة الكوارثية في تغيير الواقع والبدء بإعادة النظر في التاريخ «وتيريّاً».