آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

صديقي مثقف في الهند ونصف مثقف في الوطن

بينما كنت وصديقي طارق نتمشى في بعض مناطق الهند خلال رحلة في العام 1985 من القرن الماضي، نترك أقدامنا تسير خجلى بحرية مع الجو الممطر الى حيث تنتهي خطانا، استوقفنا رجل يبدو من ملابسه أنه في حالة وظيفية مرتفعة، وهو يقوم بحركات بمحاذاة بقرة بدت ملتبسة علينا الى أن فهمنا أنها طقوس تعبدية.

افتر وجهي حينها عن ابتسامة على شفاهي المتعبة وكادت تتحول الى ضحكة مجلجلة، أما صديقي طارق فقد وبخني بقوة وأخذ يتحدث عن الثقافة وحرية الأديان والأشخاص، وأن هذا التصرف الصادر من ”حضرتي“ غير حضاري، وينم عن جهل وعدم إطلاع على موروث الآخرين، وسواء اختلفنا أو اتفقنا علينا احترام الآخرين.

انتهت رحلة الهند ورجعنا الى الوطن، وبعد أيام اتصل بي طارق عبر الهاتف ليكمل وصلة توبيخه ونصائحه، وفي لحظة كدت أغلق السماعة في فمه ووجهه وعقله، ولكني تماسكت وسمعته للآخر وانتهت المكالمة.

كانت الأيام سريعة والمشهد الثقافي سريع، وإيقاع الحياة أسرع، وفي مرة كنا في جلسة شبابية بأحد المجمعات التجارية، حديث يولد منه حديث، حتى تحدثنا عن بعض العادات القادمة لنا من دول معينة، وكان الحديث عن بعض طرق العزاء في عاشوراء، واستلم صديقي طارق طرف الموضوع، وأخذ يفصل ويرفع الجملة ويقصف الكلمة، تخلف، تراجع، رجعية، استيراد عادات وتقاليد من الخارج، رفعت يدي، ولا اتذكر إن كانت اليسرى أم اليمنى، وضربت الطاولة بقوة، وقلت له: يا مثقف في الهند ونصف مثقف في الوطن، أنت قبل سنوات كنت تتحدث عن الحرية واحترام عادات وتقاليد وموروث الآخرين حتى وإن لم تعجبنا ونراها غير ملائمة لنا كبشر، بل إنك وبختني عبر الهاتف أكثر من مرة، وقمت باستعراض مهاراتك وكأنك مارادونا وهو يستعرض مهاراته الحوارية أمام الجمهور، أنت هناك في الهند مثقف وموزع بركات الوعي والنضوج، وهنا في الوطن.

للأسف الشديد نحن نعاني غياب الوعي المتكامل لكل القضايا، بسبب أننا نحاول أن نمحي ذاكرتنا بما نؤمن به من أجل أن نقول للآخر نحن معك، ولكي أثبت لك سوف انتقد تراثي وعاداتي وتقاليدي من حين لآخر، بل ونسمح للآخر بأن يمارس حياته وانتقاده بل وسخريته علينا، ولكن نمنع أنفسنا من التنفس في فضاء الخالق.