آخر تحديث: 26 / 1 / 2022م - 12:41 ص

الإرهاب وتخريب الدول

محمد المحفوظ * صحيفة الرياض

أود في هذه المقالة أن أنطلق من سؤال مركزي، ألا وهو هل تستطيع الجماعات المتطرفة والإرهابية أن تبني دولة وتؤسس لنظام سياسي مستقر. لو تأملنا في تجارب جميع الجماعات المتطرفة والإرهابية، سواء في دولنا العربية والإسلامية أو في دول العالم المختلفة، سنجد أن طبيعة هذه الجماعات وآليات عملها وعقليتها العامة، غير قادرة على بناء دولة وتأسيس نظام سياسي مستقر.

صحيح أن هذه الجماعات قادرة على بيع الأوهام المثالية والأيدلوجية على الناس، مستفيدة من طبيعة الخطاب الأيدلوجي الذي تتبناه، والذي يصور أمر بناء الدول، وكأنه من الأمور البسيطة والسهلة، وإن تمكنهم السياسي سيفتح للجميع خير الأرض والسماء. ولكن حين تفحص تجاربهم، ستجدهم أنهم قادرون على هدم الدول وتفتيت عناصر قوتها، وتخريب النسيج الاجتماعي للمجتمعات. إلا أنهم غير قادرين البتة على بناء أنظمة سياسية مستقرة وتتمكن من إدارة دولة وضمان مصالح العباد فيها.

وعدم قدرة الجماعات المتطرفة والإرهابية على بناء أنظمة سياسية مستقرة وقادرة على حفظ وحماية مصالح جميع المواطنين، يعود في تقديرنا إلى الأسباب التالية:

1- إن بناء الدول وأنظمة سياسية مستقرة، يحتاج باستمرار إلى عقلية تلحظ معطيات الواقع وحقائقه، وتتحرك بخطوات مدروسة لبناء لبنات النظام السياسي المأمول. وهذا بطبيعة الحال يتطلب نسج علاقات تعاون أو تحالف مع بقية القوى السياسية والاجتماعية الموجودة في المجتمع، وتتطلع أيضا إلى بناء نظام سياسي جديد.

وهذا لا يمكن أن تقوم به الجماعات المتطرفة والإرهابية، لأنها جماعات تستند في النظر إلى الواقع وأحواله، إلى معادلة صفرية إما هذا أو هذا، يعني إما أن يتمكنوا بوحدهم ويبنوا واقعاً على مقاسهم الأيدلوجي، أو يستمروا في القتل والتدمير وإشاعة كل أشكال التطرف والإرهاب. ففكر هذه الجماعات المتطرف وبنيتها الإرهابية، يحول دون أن تتوفر لدى هذه الجماعات قدرة فعلية على بناء دول وأنظمة سياسية مستقرة. ولم يحدثنا التاريخ أن هناك جماعة متطرفة بصرف النظر عن أيدلوجيتها وطبيعة خطابها، أنها تمكنت من بناء دولة. صحيح أن هذه الجماعات قادرة عبر عنفها وإرهابها وتدمير بنى الحياة في المجتمع، من إسقاط حكومات وأنظمة سياسية. ولكنها

دائماً غير قادرة على بناء دولة. وعدم القدرة هذه تعود بالدرجة الأولى إلى طبيعتها الإرهابية وبنيتها المتطرفة، التي تجعلها قادرة على الهدم والتدمير دون البناء والعمران.

2- دائماً بناء الأنظمة السياسية القادرة على حفظ وحماية مصالح جميع العباد في كل مناطق البلد، تحتاج إلى ذهنية سياسية وإدارية تعلي من شأن التوافق وتعمل على توسيع المساحات المشتركة مع مجموع الفعاليات والقوى السياسية الحية. لأنه لا يمكن لجهة سياسية أو أيدلوجية واحدة، أن تتحمل بوحدها عبء توفير مستلزمات بناء دولة مستقرة وقادرة على الاستمرار. لأن هذه المهمة بطبيعتها، بحاجة إلى تضافر جهود جميع القوى السياسية والاجتماعية، حتى تتمكن من بناء واقع سياسي جديد بقاعدة اجتماعية واسعة. وهذا لا يتأتى إلا للجماعات المعتدلة، التي تتمكن من بناء تسويات وتوافقات من أجل المصلحة العامة.

وجماعات التطرف والإرهاب غير قادرة ذاتياً وموضوعياً من تدوير زوايا الاختلاف مع غيرها. لأنها جماعات على المستوى الفعلي تلتزم بمقولة الشاعر [لنا الصدر دون العالمين أو القبر].. فالنزعة الأيدلوجية لجماعات العنف والإرهاب، لا تعرف خيار تدوير الزوايا، ولا تفقه مسار التسويات والتوافقات السياسية والمؤسسية، القادرة على بناء كتلة واسعة من السياسيين والفعاليات الاجتماعية المختلفة لبلورة إدارة سياسية جامعة، لبناء واقع سياسي جديد بمقاس مصلحة الوطن كله ومتطلبات الحياة السياسية التي تحتضن جميع القوى السياسية بمختلف مرجعياتها الأيدلوجية والفكرية والسياسية.

فجماعات العنف والإرهاب، تعرف المغالبة والصراع المباشر بكل أدواته مع من يختلف معهم أيدلوجياً أو سياسياً. ولا تفقه هذه الجماعات أي شيء في فنون بناء التوافقات والتسويات الاجتماعية والسياسية، لذلك هي جماعات غير قادرة على بناء أنظمة سياسية مستقرة بمقاس كل المواطنين وفعالياتهم السياسية والاجتماعية المتعددة.

3- من المؤكد أننا اليوم نعيش في عصر تتداخل فيه الإرادات والمصالح وتتشابك بين مختلف الأمم والشعوب. ولا يمكن لأية قوة سياسية أو أيدلوجية أن تحارب العالم كله. لأن أية جماعة تفكر بهذه الطريقة هي جماعة تبيع الوهم على الناس وتتجه بخياراتها نحو الانتحار الجماعي. ويبدو أن طبيعة تفكير وعقلية جماعات التطرف والإرهاب تنسجم وهذه الطريقة في التعامل مع العالم بقواه المختلفة. لأنها جماعات لا تحسن بناء صداقات سياسية وفكرية لها، وإنما هي تستعمل عملية تصنيف جميع الأطراف والقوى في خانة الخصوم والأعداء. لذلك هي بمثابة قنبلة جاهزة للانفجار في كل وقت ومع أي طرف. لأنها ببساطة شديدة لا تمتلك قراءة موضوعية لأحداث العالم وقواه الفاعلة.

وهكذا سلوك سياسي وأيدلوجي غير قادر على بناء العناصر الذاتية والشروط الموضوعية لبناء دولة أو نظام سياسي حاضن لجميع تعبيرات المجتمع.

وعليه نتمكن من القول: إن جماعات العنف والإرهاب، غير القادرة ذاتياً وموضوعياً من بناء دولة وأنظمة سياسية جديدة قادرة على إنجاز الأمن والاستقرار العميق في المجتمعات. لأن البنية الأيدلوجية والفكرية لهذه الجماعات، ترذل فكرة الاستقرار وتوفير الخدمات الضرورية ومشروعات التنمية. لأنها تتعامل مع ذاتها ودورها، بوصفها كتلة بشرية وأيدلوجية مهمتها الأساسية هداية البشر وإخراجهم من كفرهم أو شركهم أو غيهم الديني. وهكذا جماعات لا تفقه أصول وقواعد بناء الدول، وامتلاكها لخطابات أيدلوجية تبشيرية، لا يعني أنها قادرة على بناء دولة بشروطها القانونية والدستورية والسياسية ومنسجمة وروح العصر ومكاسب الحضارة الحديثة.

من هنا فإن من يريد أن يدمر دنياه، ويقضي على كل فرص الحياة الكريمة، فعليه باتباع هذه الجماعات. وعليه فإننا نعتقد وبشكل عميق أن جماعات العنف والإرهاب، قادرة على التخريب والتفجير وإدخال الدول والمجتمعات في مربع الدول والمجتمعات الفاشلة، وغير قادرة ذاتياً وموضوعياً من بناء دول مستقرة وتتحرك باتجاه التطور والتقدم. هذا ماتثبته التجارب، وهذا مانفهمه من عقلية أهل التطرف والإرهاب. فالكلام الجاهز والبسيط والمعادلات الصفرية، لا تبني دولاً، ولا تؤسس لاستقرار عميق للأمم والمجتمعات.

كاتب وباحث سعودي «سيهات».