آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

هيئة الأمر بالتنوير والنهي عن التفكير

حسين إسماعيل *

يفتتح الفيلسوف الألماني كانط مقالته «ما هو التنوير؟» والمؤرخة بعام 1784 م بقول:

«التنوير هو تحرر الفرد من الوصاية التي جلبها لنفسه. الوصاية هي عدم قدرة الفرد على الاستفادة من فهمه دون توجيه من الآخر».

بهذا الاقتباس وهذين التعريفين المبسّطين أحببتُ أن أفتتح المقال، لا لشيء سوى كون المقولة مدخلاً غير مباشر لطرح إحدى أكبر الأزمات التي يواجهها مجتمعنا في الوقت الحالي: أزمة الأفكار والمفاهيم.

وقبل التعريج على الأزمة أو مسبباتها، فلا بد من توضيح عواقبها ومسبباتها. فلندع الأقنعة والقراءات الحالمة جانباً، ولنترك عنا المُثُل والنماذج التي أسقطناها على واقعنا اعتباطاً. نحن اليوم نعيش عصر انحطاط فكري، ولن نتجاوزه ما لم نتبيّن ما يزيده انحطاطا.

لا أظنني أبالغ حين أقول أن ثقافتنا كلها مستوردة، وأفكارنا أغلبها مقلدة، وما نسمعه من دعوات الحداثة والتحضّر مجرد شعارات اجتُرّت حتى فقدت مصداقيتها وواقعيتها. مجتمعنا اليوم استهلاكي بحتٌ، وهو غارق في غياهب الأحلام والأوهام. وأنا إذ أقول ذلك أحاول الإجابة على سؤال طالما تردد في ذهني: إلى أين يسير مجتمعنا؟

أحاول الإجابة على السؤال لأنني جزء من نسيج مجتمع أستفيد منه وإحاول إفادته بقدر المستطاع، وأبرّئ نفسي من تهمة النخبوية أو «المثقّفيّة» «والتي أعتبرها شتيمة أساساً»، وأجدُ نفسي ملزماً بالتصريح بذلك لأنني أوجه نقدي لهؤلاء الذين نصّبوا أنفسهم أوصياء على المجتمع. وخلال السطور القادمة، سأبذل وسعي لتوضيح علاقتهم المباشرة بالأزمة؛ فهم بنظري المشكلة الرئيسية والطامة الكبرى لكل الانتكاسات الفكرية وتبعاتها في العقود الأخيرة. ولأنّهم أطلقوا على أنفسهم «نخبة المثقفين»، فلا بدّ من الاستعاضة عن ذلك بمسمّى أدق: الحسبة التنويرية.

لا أود الإطالة في تحديد ما تطمح إليه هذه الفئة، فهم بالفعل حسبةٌ تنويرية، حراس للعقائد، آمرون بالتنوير وناهون عن التفكير. المنتمون لهذه الفئة لا ينتجون إلا الهراء، ولا يُسمع منهم إلا زعيق يصمّ آذان غيرهم. هم أخذوا التنوير عقيدة أقصوا منها مخالفيهم للظلامية، تبنوا الحرية شعاراً لقمع من لا يوافق أهواءهم، واستهلكوا أفكار الفلاسفة والمنظّرين فحوّلوها أدياناً بطقوسها وشعائرها. والمضحك أنهم يدّعون قيادة المجتمع لما هو ”تنويري“ ثم يمارسون وصايتهم. ويتحسس هؤلاء طبعاً من ممارسة أبجديات التنوير الحقيقي كنقد الذات، ولذا فهم تبشيريوّن عقائديّون وسلفيّون بامتياز «ولعلّ ذلك يعود لجهلهم المركب بما تقتضيه الدعاوى التي يرددونها». وهنا من الضروري التفريق بين هؤلاء النخبويين وبين المفكرين الحقيقيين في كون الأوّلين يسعون وراء مصالح شخصية كالسلطة والجاه والمال من خلف دعواهم، فيما يشتغل اللاحقون بهموم مجتمعهم والإشكالات التي يواجهها.

نتيجة عمل رجال الحسبة التنويرية واضحة، وكلّ ما يدعون إليه يعود عليهم بحالة أسوأ وأردى، فلا حرية وجدناها، ولا أنوار لمحناها، وكل دعاوى العقلانية صبّت في مصلحة الممارسات اللامعقولة. ولا غرابة في ذلك، فهم ينظرون للحقيقة بطوباوية ثم يتحسّرون على ضياعها، يبحثون عن نماذج من أجل نسخها ولصقها على مجتمعاتهم ثم يستغربون من فشلها «وقد يعزونه لكونهم متقدمين على زمانهم أو أن الظروف الحالية لا تسمح بتطبيق نماذجهم تلك»، وهم أيضاً يتلقفون ما أنتجه غيرهم كأنه الحق المنشود فلا يُعملون فكرهم في تفكيكه وتحليله وإعادة إنتاجه «وهو الأهم» ثم يدعون الناس للتخلي عن تقليد الغرب أو الرموز.

الخلل الرئيسي في منهجيتهم، كما حاولتُ توضيحه سابقاً، هو في المفاهيم والأفكار أولاً وآخرا. يجب علينا جميعاً إعادة تعريف مفاهيمنا وبديهياتنا كالذات والحقيقة والعقل والسياسة وغيرها كما دأب الفلاسفة منذ فجر البشرية. مشكلتنا في فضاء المفاهيم الغامضة التي يُعتقد أنها واضحة فلا تُطرح للنقاش والأخذ والردّ، ومن الطبيعي أن تكون الأفكار الناتجة عن هذه المفاهيم بالية ومستهلكة وارتجاعية. فلنقم بدورنا في الإنتاج والتصدير. ولأننا في عصر يتيح لنا الاطلاع على المجتمعات الأخرى بسهولة فلا بدّ من قراءة تجاربهم والاستفادة منها، ولنُعد عزف مقطوعاتهم بآلاتنا وموسيقانا. كلنا فاعلٌ ومشاركٌ في أي نهضة مرجوّة دون الحاجة لنخبة وهمية. وأعود لما قاله كانط؛ التنوير هو التخلي عن وصاية الغير. أما أنا فأقول: ليذهب رجال الحسبة التنويرية لتقشير البصل.