آخر تحديث: 29 / 1 / 2022م - 7:03 ص

من أولويات الحرب على الإرهاب

محمد المحفوظ * صحيفة الرياض

من المؤكد ووفق المعطيات والحقائق القائمة في المنطقة، أن مشروع الحرب على الإرهاب والعمل على تجفيف منابعه واستئصال أسبابه وموجباته من القضايا والأمور الملحة والأساسية في المنطقة العربية والإسلامية في هذه اللحظة التاريخية.

لأن التنظيمات الإرهابية أبانت وحشية خطيرة في قتل البشر وتخريب البنية التحتية للبلدان والمناطق، كما عبرت هذه التنظيمات عبر بياناتها وإعلامها الإلكتروني عن طموحها السياسي في اكتساح دول المنطقة وتوسيع رقعة هيمنتها وسيطرتها.

وأمام هذا الخطر المحدق والخطير، لا مناص لكل الدول العربية والإسلامية إلا مواجهة هذا الخطر وشن الحرب الشاملة عليه، لأنه بدون ذلك، سيزداد خطر الإرهاب وتتوسع رقعته الجغرافية، وتتضخم قدراته القتالية والإرهابية. لذلك فإننا نعتقد أن مشروع الحرب على الإرهاب بكل أشكاله ومستوياته، من الأولويات والضروريات، التي ينبغي أن تتجمع كل الجهود والطاقات في مواجهته.

وفي سياق سعي ومشاركة أغلب دول المنطقة في مشروع الحرب على الإرهاب، من الضروري التأكيد على الأفكار التالية:

1 - تحاول بعض الجهات أن تربط جماعات الإرهاب وتنظيماته بالدين الإسلامي، وتقدم حلولا لمواجهة خطر الإرهاب تطال بعض قيم الإسلام وثوابته. وهذا مما يدفع إلى خلق ارتباكات والتباسات هائلة تزيد من تعقيد الوضع وتشابكه.

وما نود قوله في هذا السياق: ان الأديان التوحيدية بوصفها مجموعة من التشريعات والقيم والمبادئ، هي بريئة من فعل الإرهاب وتأسيسه في الفضاء الاجتماعي. ووجود بعض الأنماط الثقافية والسلوكية التي تبرر فعل الإرهاب أو تدعو وتحرض عليه، لا تتحمل مسؤوليته القيم الدينية الأساسية. بمعنى أن وجود بعض أشكال التدين في البيئات العربية والإسلامية التي تحرض على العنف والإرهاب، ليس لها ارتباط مباشر بقيم الإسلام وثوابته. والإسلام كدين لا يتحمل مسؤولية افهام الناس وتفسيراتهم لبعض قيمه ومبادئه.

فنحن هنا نبرئ الإسلام كدين من فعل الإرهاب، ونعتبر أن قيم الإسلام تحارب الإرهاب وتتخذ منه موقفا سلبيا ومعاديا سواء كان إرهاب فرد أو جماعة أو دولة..

ولكن في الوقت الذي نبرأ الدين الإسلامي من لوثة الإرهاب وآفته، نقر أن هناك منظومات ثقافية وتفسيرية لبعض قيم الدين، هي شريكة في تأسيس الإرهاب في الفضاء العربي والإسلامي. لذلك فإن أكثر ما نواجهه من عنف وإرهاب هو ذلك الإرهاب الذي يتجلبب بجلباب الدين. ولعل هذا الجلباب هو الذي يخلق حالة الالتباس بين الدين والإرهاب. ونحن هنا بحاجة إلى أن نفرق بين الدين بوصفه مجموعة من القيم والمبادئ المتعالية على كل زمان ومكان، وبين أفهام البشر وبعض أشكال التدين السائدة في المنطقة العربية والإسلامية. وهي أشكال ثقافية واجتماعية تتحمل مسؤولية مباشرة في تأسيس وانتشار ظاهرة الإرهاب في المنطقة. وإن هذه الأنماط الثقافية والسلوكية التي تحتفي أو تتغذى من بعض الأفهام المغلوطة لبعض قيم الإسلام وثوابته، هي التي تحتاج إلى مواجهة وتحد شامل لمنع خطرها وتفكيك بيئاتها الاجتماعية والمعرفية.

ونحن هنا لا ندين الإسلام، وإنما ندين بعض تفسيرات هذا الدين العظيم، لأنها تفسيرات عدائية للإنسان وقيم الإسلام الأساسية القائمة على الإنصاف والعدالة والمساواة واحترام الوجود الإنساني.

2 - لعل من أهم الخطوات التي تساهم في دحر الإرهاب في كل البيئات العربية والإسلامية، هي تلك الخطوات التي تقوم بإصلاح الأوضاع المعيشية والتنموية والسياسية في البلدان العربية والإسلامية. لأن جماعات الإرهاب تتغذى باستمرار سواء على مستوى الفكر والتعبئة والتحشيد أو على مستوى توسيع القاعدة الاجتماعية الحاضنة، على وجود حالة عدم رضا في المجتمعات العربية والإسلامية إزاء بعض خيارات وممارسات السلطة أو الدولة. لذلك كل خطوة ومبادرة تساهم في تعزيز وتعميق حالة الرضا بين الناس، هي خطوة تساهم بشكل مباشر في تقليل خطر الإرهاب في أي بلد عربي وإسلامي.

من هنا فإن جميع الدول العربية والإسلامية معنية اليوم، إذا أرادت مواجهة خطر الإرهاب بفعالية، إلى الالتفات إلى ساحتها الداخلية وإعادة تصويب بعض الأخطاء والقيام ببعض المبادرات التي تستهدف معالجة بعض المشاكل العامة وفك حالة الاحتقان وبعض أشكال الكره والقرف من الأوضاع العامة.

فالإرهاب يتغذى دائما على القاذورات وحينما تقرر الدول العربية والإسلامية تنظيف وتنقية بيئتها الاجتماعية والعامة من هذه القاذورات فإن النتيجة الفعلية لذلك المزيد من التماسك الداخلي والقدرة على مواجهة خطر الإرهاب وجماعاته البشرية. فالإصلاح بالمعنى الإداري والتنموي والثقافي والتعليمي والاجتماعي، هو من أفضل الوصفات القادرة على إنهاء أو التقليل من خطر الإرهاب في بيئاتنا العربية والإسلامية.

3 - لا يمكن النجاح في مشروع الحرب على الإرهاب، إلا بالوقوف في وجه من يغذي الإرهاب دينيا وثقافيا وسياسيا. لأن مواجهة النتائج أي فعل الإرهاب، دون مواجهة من يصنع الإرهابيين سيكلف الجميع الكثير من الآثار والنتائج الخطيرة.

وعليه فإن فعالية مواجهة الإرهاب، تتجلى بالدرجة الأساسية في الوقوف بحزم ضد كل من يساهم في صنع الإرهابيين والقتلة.

فتغذية الإرهاب أخطر من ممارسة الإرهاب، لأن استمرار حالة التغذية، يعني الاستمرار في صنع الإرهابيين والجماعات الإرهابية.

والدول العربية والإسلامية اليوم معنية بشكل مباشر للوقوف ضد كل من يغذي الإرهاب أو يحرض عليه.

وإذا تمكنا من وقف حالة التغذية الدينية والثقافية للإرهاب، فإن ساحة الإرهابيين تصاب بالضمور والجفاف.

وخلاصة الأمر: أن الحرب على الإرهاب مشروع متكامل، يستهدف تنقية البيئات التعليمية والثقافية والاجتماعية، وصياغة وخلق الخطاب والثقافة البديلة، واستمرار الحرب الأمنية والعسكرية على أوكارهم ومجاميعهم وتكتلاتهم البشرية.

كاتب وباحث سعودي «سيهات».