آخر تحديث: 6 / 12 / 2021م - 11:52 م

المُطالبة السليمة للحقوق.. الدوخلة أنموذجاً

حبيب محمود * صحيفة الشرق

قبل 10 من السنواتِ؛ لم تكن «الدوخلة» أكثر من ممارسة شعبية نمطية يعيشها سِيف بلدة نائية في جزيرة تاروت اسمها «سنابس». أطفالٌ يكرّرون ما كان الأكبر منهم سنَّاً يفعلونه. سلة من الخوص، مزروعة بالشعير، يرميها كلُّ طفلٍ يوم عيد الأضحى. ويشارك نظراءه أهزوجةً شعبية قديمة تتذكّر الحجاج الغائبين في «مكة المعمورة».

مجرد عادة مكرورة يعرفها سكان منطقة الخليج، وتحمل أسماء مختلفة منها «اسْعنّهْ» و«حيّهْ بيّهْ». أطفال الحواضر البحرية يرمون سلال الخوص في البحر، وأطفال الحواضر الريفية يرمون سلالهم في العيون الجوفية. وهذا ما كانت عليه العادة الخليجية القديمة.

لكنّ الدوخلة لم تعد مجرد عادة. بل تحوّلت إلى مهرجان سنويّ ضخم يتزاحم على التطوع فيه آلاف الشباب والشابات. وتبحث المؤسسات التجارية عن مكان لها فيه لتشارك في رعاية فعالياته وتروّج لنفسها. وتحجز الأجهزة الحكومية مواقع لبثّ رسائلها الخدمية والتثقيفية واستعراض إنجازاتها. ناهيك عن الفعاليات نفسها التي توفّر سنوياً عشراتٍ من الخيارات الترفيهية ثقافياً واجتماعياً وصحياً للعائلات والشباب، في تنظيمٍ متماسكٍ.

في عقد واحد؛ تحوّلت «الدوخلة» من عادة شعبية إلى عمل مؤسساتي تطوّعي كبير ومؤثر. أقنع شُبّان البلدة الساحلية المجتمع وأجهزة الدولة بأنهم قادرون على استثمار أفكارهم ومواهبهم في صناعة فعل سياحي ترفيهي سنويّ يخدم المجتمع، ويحترم فلكلوره، ويدعم جهود الأجهزة الرسمية. وحين أعلنت أمانة الشرقية، قبل يومين، عن تكفّلها بالمهرجان السنويّ بدءاً من العام المقبل؛ فإن هذا الموقف الرسمي لم يصدرْ مجاملة لأحد. بل تتويجاً لسواعد أبناء الناس.

ولم تنجح «الدوخلة» لأن الناس أحبوها فحسب، ولم تنجح لأنها تحشد عشرات الألوف من الناس في مكان واحد، ولم تتميز بناءً على جهود التطوع وحدها. نجحت لأن القائمين عليها واجهوا صعوباتٍ مركّبة كان بإمكانها أن تُحبط الطموحات أو تحجّمها على الأقل.

بيروقراطية بطيئة، اشتراطات صارمة، تدقيق في كل فعالية، تفاصيل لا يصبر عليها إلا ذو جلدٍ عظيم. غير أن هذا الجلد العظيم كان موجوداً في شبّان البلدة. طرقوا الأبواب الرسمية الطبيعية، قابلوا المسؤولين المعنيين، ناقشوا، تحاوروا، كاتبوا، تابعوا، احترموا طبيعة الإجراءات، والتزموا التشريعات المطبّقة. لم يتوسّلوا الضجيج الإعلامي، ولم يحاولوا الاستقواء بأحد، ولم يجعجعوا يميناً ويساراً.

ومثل أيّ مواطن يُطالب بما يراه حقاً من حقوقه؛ طالبوا بما يحتاجونه. وحصلوا على ما يريدون عبر القنوات والوسائل السليمة. حتى أرض المهرجان حصلوا عليها من أمانة الشرقية عن طيب خاطر في وقتٍ تعاني المحافظات من شحّ الأراضي. شبّان سنابس قدموا الأنموذج الحيّ للمطالبة الحقوقية السليمة الآمنة. وحريٌّ بنا أن نسجّل الإعجاب بما أنجزوه لبلدتهم ولمجتمع المنطقة الشرقية عبر هذا المهرجان السنوي الناجح.