آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

الهواية بين الطبقية والسلطة الروحية

لم تكن الهواية على مدار الأزمنة حصراً على فئة أو طبقة محددة؛ وإن حدث ذلك لفترةٍ زمنيةٍ لا تلبث إلا وهي منسربةٌ إلى جميع طبقات المجتمع من النبلاء والأولياء إلى الطبقة المتوسطة وصولاً إلى الشريحة الاجتماعية المتعففة والفقيرة.

وكما في عصرنا الحاضر هوايات تُعدُ من هوايات النخبة والأثرياء كهواية اقتناء وتجميع أرقى الأعمال الفنية إبداعاً وثمناً؛ وسباق اليخوت حيث تبلغ قيمة تملك اليخت الواحد كالمشارك في سباق المحيط السنوي لِ «فولفو» 800 مليون دولار أما معدل استئجاره ليوم واحد فيبلغ كلفته 5000 دولار، وكذا تربية الخيول الذي يكلف استيلاد سلالة عريقة ملايين الدولارات فما دون؛ ويعتمد ذلك على الجهة المُنسلة للخيل وهذا عدا كلفة العناية السنوية التي تناهز 40 ألف دولار؛ وأيضاً هواية اقتناء السيارات الكلاسيكية القديمة وتربية الحيوانات المفترسة وتدليلها وتجميع الآثار والأشياء ذات الطراز العتيق والنادر كالسجاد الفارسي المصنوع يدوياً من الحرير والتي تصل قيمته إلى مليون ريال سعودي أي ما يُعادل 266، 666 دولار، وقيادة سيارات السباق الاحترافية «كالفورملا» إذ امتلاكها بمليون دولار واستئجارها لخمسة عشر دقيقة بِ 360 دولار.

بيد أن الشباب الحالم والمتحمس في عالمنا العربي لهذه الهواية الأخيرة مثلاً أخذ يُصر على أن يهجن ويطور من السيارات الاقتصادية لحاقاً بركب الأثرياء المهيمنين على تلك الهواية إلا أنها تبقى مكلفة.

ولم يخلُ الماضي من هذه الطبقة أيضاً حيث الباليه كان مقتصراً على الأرستقراطيين والنبلاء في القصور الإيطالية إلى أن خرج وبرز على خشبة المسرح وصار فناً من فنونه.

إذ الهوايات ممتدة متبدلة والزمان والإنتقال - السفر والرحلات - والعولمة حالياً حيث كما نرى أن طبقة البروليتارية وهي الطبقة الأضعف في المجتمع تحاول محاكاة كل ما يفعله البرجوازيين فإنَّ البرجوازيين أيضاً ليسو معصومون من التأثر بهوايات الطبقة البروليتارية في الزمن الحاضر.

فمن الطريف ما تداول في مواقع التواصل الاجتماعية والوسائط الإلكترونية لتسجيلٍ مرئي لملياردير عربي يقود دراجة هوائية في بلده وذلك الذي لا يحدث دائماً بالطبع؛ فهي نزعة بروليتارية من جانب وعولمة لما يحدث من تقليعة الأثرياء في لندن!

وإذا ما تجاوزنا التمجيد والمديح العربي لأدوات الإعلام؛ هناك على الضفة الأخرى نقداً لاذعاً يتمظهر في نداءات السلطة الروحية «الدين» بأن ذلك ليس على ما عليه السلف الصالح فضلاً عن العادات والتقاليد؛ فهل ذلك راجح عقلاً للمتتبع المثقف؟

وبالرجوع إلى تاريخنا الإسلامي العريق نجد بين طياته إضاءات مشرقة جديرة بالإهتمام والتأمل؛ حينما بعث الخليفة هشام بن عبد الملك وراء التابعي الهاشمي الإمام محمد الباقر وابنه جعفر الصادق فغادرا المدينة إلى الشام؛ كان هدف هشام أن يستعرض أبهة الملك فدخل عليه الإمام، وكان جالساً على سرير الملك؛ وحوله الجند مسلحين وبين يديه علية القوم يرمون هدفاً بالسهام؛ فقال: يا محمد إرمِ مع أشياخ قومك هذا الغرض.

فقال الإمام الباقر: إني قد كبرت على الرمي فأعفني.

رفض هشام وأصرَ على الإمام وأشار إلى شيخ من بني أمية أن ناوله القوس؛ فأخذ الإمام القوس وتناول سهماً فوضعه فيه وسددَ نحو الهدف فأصاب مركزه، ثم تناول الثاني فأصاب المركز مرّة أخرى؛ حتى تكاملت تسعة أسهم.

دُهشَ هشام لبراعة الإمام ومهارته الفائقة فهتف: أجدت يا أبا جعفر، أنت أرمى العرب والعجم؛ وأنت تقول كبرت عن الرمي.

ثم قاد الإمام وأجلسه عن يمينه وقال: يا محمد لا تزال العرب والعجم تسودها قريش ما دام فيهم مثلك، لله درك! من علمك هذا الرمي؟ وفي كم تعلمته؟

فقال الإمام: تعلمته أيام حداثتي ثم تركته.

فقال هشام: ما أظن إن في الأرض أحداً يرمي مثل هذا الرمي. أيرمي جعفر مثل رميك؟

فقال الإمام: نحن أهل بيت نتوارث الكمال والتمام اللذين أنزلهما الله على نبيه ﷺ في قوله تعالى: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا»

فقال هشام وقد أحمّر غضباً: من أين ورثتم هذا العلم وليس بعد محمد نبي ولا أنتم أنبياء؟

فقال الإمام: ورثناه عن جدّنا علي وقد قال: «علمني رسول الله ألف باب من العلم ينفتح عن كل باب ألفُ باب».

ظل هشام ساكتاً يفكر؛ ثم أمر بإعادة الإمام وابنه إلى المدينة.

نخلص من ذلك أن السلطة الروحية لم تكن يوماً ضد ممارسة الهوايات؛ وأيضاً لا توجد طبقة اجتماعية تستحوذ على هواية مدى الزمان.