آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

ثورتنا مصطلحيّاتيّة!

حسين إسماعيل *

لتبسيط أسباب نشوء وتطور النهضة الأوروبية، يختصر بعض المؤرخين حديثهم في كون الأوروبيين آنذاك قد أدركوا حالتهم المزرية، وجاهدوا أنفسهم لتغيير سوء حالهم وللخروج من الظلمات إلى النور. هذه النهضة تبنت الحركات الإحيائية للعلوم والفنون الكلاسيكية والتي تهدف أيضاً لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والكون من جانب، والإنسان والمجتمع من جانب آخر. ولعل في تطور مفهوم الإنسانوية مثالاً واضحاً لاهتمامهم بمنزلة الإنسان في هذا العالم الفسيح.

بعض العرب أدركوا - جزئياً - حالتهم المزرية اليوم، إلا أن محاولاتهم للنهوض حتى الآن خجولة وغير مجدية. وأقول أن سبباً رئيسياً للفشل المستمر هو محاولة نسخ تجربة النهضة الأوروبية بحذافيرها؛ فبدل إحياء العلوم الإسلامية المندثرة أو دراسة جوهر العلوم الحياتية مثلاً حاول العرب استيراد نتائج التجارب الأوروبية وتطبيقها قسراً على مجتمعاتهم ضاربين بعرض الحائط الفوارق السياسية والاجتماعية والتاريخية بين المجتمعات، ولذا لم نشهد حتى الآن أي ثورة إنسانوية أو علمية بقدر ما شهدنا العديد من الثورات المصطلحياتية.

الثورة المصطلحياتية - في أبسط تعاريفها - هي ثورة تستبدل المصطلحات المستخدمة حالياً لوصف المجتمعات الجمودية والرجعية بمصطلحات محدثة مواكبة للعصر. بعبارة أخرى، هي ليست ثورة على الواقع ولن تغيّره، بل ثورة ستغيّر الكيفية التي سنتحدث بها عن ذلك الواقع المزري عن طريق استيراد المصطلحات الحديثة «سياسية، اقتصادية، دينية، الخ...» واستبدال المصطلحات القديمة بها. فعلى سبيل المثال، قال الزرداشتيّون قديماً أن العالم عبارة عن صراع بين النور والظلام، المصطلحياتيّ قد يقول اليوم أنه صراع بين الرأسمالية والشيوعية، أو الحداثية والأصولية وما إلى ذلك. هنا لا أتحدث عمن يتناول جانباً معيناً في إحدى القضايا، بل أعني أولئك الذين يختزلون جميع العوامل في نظرة بسيطة وقاصرة مغلّفة بمصطلحات عصرية.

من السهل جداً تشخيص الثورة المصطلحياتيّة، فمن أمثلتها التشدق بالنهضة والإصلاح مع عدم التفريق بينها، والمناداة بالعقلانية والمنهجية بخطابات لاعقلانية عشوائية، والتفاخر بالمنطق والمغالطات المنطقية في أطروحات زاخرة بتلك المغالطات والتناقضات، ولعل الأسوأ من ذلك كله هي النظرة الأنانية للكون والانطلاق منها لتفسير جميع الآيدولوجيات الأخرى.

الثورة المصطلحياتيّة ليست دخيلة على مجتمعاتنا، بل هي جزء من «ونتيجة ل» عمليات الاستيراد في مختلف الحقول، فالتعوّد على وصاية الغير «الفكرية خصوصاً» أنجبت أفراداً غير قادرين على الانعتاق من سلاسل الآيدولوجيا السائدة والاعتماد على أنفسهم. فلم يعد غريباً رؤية شخصين يدعيان الوقوف على النقيض فكرياً إلا أنهما يستخدمان ذات الخطاب الذي يصفانه عند الآخر بالانغلاق والرجعية، وذلك يرجع لخلل في مفهوم المصطلحات التي يستخدمها كل منهما.

يقول الله عز وجل في محكم كتابه: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم «الرعد: 11». هنا دعوة لترك القشور والولوج إلى اللب، دعوة للتركيز على الجوهر وترك الأطياف البراقة التي تزيغ الناظرين. وهي أخيراً دعوة للعمل على تغيير الذات كي يتغير الواقع، ولا بد لحدوث ذلك من ثورة تعليمية حقيقية تعلّم الإنسان أن الخطوة الأولى، كما يقول كانط، هي التحرر من الوصاية الفكرية المفروضة من قبل الآخرين «والمصطلحيّاتيون منهم». أما عملية التعليم التلقينية، فتحسينها لن يعني إلا تحسين شكل القالب الفكري المعدّ سابقاً واستمرار عجلة الجمود.