آخر تحديث: 30 / 11 / 2021م - 6:39 م

ظاهرة الارهاب وقساوة القلوب

الشيخ حبيب الخباز *

الحديث عن الارهاب متشعب وذو شجون، لكن ما نريد التأكيد عليه في هذه الظاهرة الغير انسانية ظاهرة قساوة القلوب التي تتصل بهؤلاء الارهابيين وتركيبة نفسياتهم وشخصياتهم وكيف وصلوا الى هذه المرحلة العصيبة، ليسيروا في اتجاه معاكس للحياة والناس والفطرة البشرية السليمة، وينسلخوا عن انسانيتهم ودون أن تدمع عيونهم وتتأثر مشاعرهم. وتنعدم الرحمة من قلوبهم وهم يشاهدون تلك المآسي، يقدمون حتى على قتل انفسهم ويسترخصون حياتهم بقيامهم بتلك العمليات الانتحارية دون مسوغ ورادع، ولا يسألون أنفسهم مرة واحدة عن مبرر ومشروعية هذه الاعمال وما أهدافهم ونتيجة ذلك، وما هو جوابهم حين يقفون بين يدي الله سبحانه يوم القيامة؟

والسؤال هل يمكن أن ينسلخ الانسان عن انسانيته ويصل الى هذه المرحلة من قساوة القلب؟

ظاهرة الارهاب قديمة منذ بدء التاريخ:

لا بد من التأكيد بأن هذه الظاهرة ليست محصورة بزمن معين او في زماننا بل هي ممتدة ومتصلة بعمق التاريخ البشري، منذ صراع قابيل وهابيل، الذي ذكر قصتهما القرآن، واشار الى اسبابها، فهي تجربة وعبرة، ومن أهم اسبابها هو الحسد، حيث تقبل القربان من هابيل ولم يتقبل من قابيل، وبدل أن يراجع قابيل نفسه عن اسباب عدم قبول عمله وقربانه، ذهب يهدد ويتوعد أخاه بالقتل حتى قتله. وقد اشار القرآن الى الحوار الذي نشأ بينهما.

وهذه الظاهرة تكررت وتطورتخلال تقدم الزمان والمجتمعات، وبأشكال مختلفة، على شكل حروب وصراعات، ومواجهات وقد سرد القرآن الكريم الكثير من هذه الحقائق والقصص، وتمعن في اساليبها واهدافها، واستخلص منها العبر. لكن السؤال المهم لماذا تستمر هذه الظاهرة الى الان وبشكل أخطر وأوسع؟ والاجابة ان الفرق بين الماضي والحاضر يكمن بأن الارهاب كان محدودا وضمن دوائر ضيقة ومتباعدة وفي أغلبها تقع بسبب النزاعات القبلية والثارات ويمكن ان نصنف تلك الحروب والنزاعات قبل الاسلام بأنها جاهلية أي بعيدة عن الدين والفهم والعقلانية، وانما تقع لأسباب تافهة وبسيطة كحروب الفجار قبل الاسلام. أما بعد الاسلام فهي حروب متعمدة واختلافات ممنهجة وعصبيات مقيتة، وتكرست مع مرور الزمن وامتدت الى عصرنا الحاضر.

لكن ما يمتاز به العصر الحاضر هو ان ظاهرة الارهاب اصبحت مشكلة معقدة تتداخل فيها الكثير من العوامل والاتجاهات والتشكيلات، منها ما هو فكري وعقدي، وسياسي، ومصالح دنيوية، وغير ذلك.

وبسبب ذلك تتفاقم هذه الظاهرة وتتوسع وتزداد خطورتها لأسباب:

1 - تداخل المصالح بين الناس والدول والاتجاهات.

2 - تبني هذه الظاهرة لتصبح مشروع ضمن دائرة المصالح والسياسات.

3 - اختلاف منطلقاته واسبابه ودوافعه.

فلا يمكن حصر الارهاب في جهة معينة، ولذلك يمكن القول بأن الارهاب في عصرنا الحاضر يتخذ دوائر مختلفة واتجاهات لتعكس بآثارها السلبية على الحياة بأسرها، لكنه يبرز بشكل واضح في:

1 - الفكر المتشدد والراي المتعصب الذي يقود الى التكفير.

2 - القوى الكبرى التي تسعى لتأمين مصالحها في العالم.

3 - الدول الاستبدادية التي ترهب شعبها وتقمع حرياته من اجل الحكم والاستئثار بالثروة.

4 - احتراف الجريمة كالقتل والسرقة والغصب والاغتصاب والتهديد وغير ذلك.

وبسبب التقدم الهائل في وسائل الاتصال المختلفة والسريعة سهل مهمة الارهاب وتنفيذ مهماته ومخططاته واهدافه، لتصبح هذه الظاهرة عالمية وشمولية تهدد ارجاء العالم والبشرية جمعاء، وهو ما يبرز من خطورتها ومشكلتها على كل المستويات.

لكن يمكن القول بأن أخطر هذه المظاهر وأشدها هو الارهاب الفكري الذي لا يرتدع عن القيام بأي شيء في سبيل تحقيق هدفه، حتى نجد ان مثل اصحاب هذا النوع من الارهابين يقومون بالعمليات الانتحارية ويقتلون ويسترخصون انفسهم بدون مقابل، فهؤلاء هم الخطر على الجميع وكذلك من الصعب ايضا معالجته واستئصال بؤره، والسبب بالإضافة الى انحراف هذا الفكر الذي يقود الانسان الى الضلال، والى الدمار، فانه ايضا يستغل من قبل ارباب المصالح والسياسات والدول ودعمه بالمال وتسهيل مهماته ليصبح قنبلة متفجرة في كل وقت وفي كل مكان. فهو لا يقل خطر من القنبلة النووية. ويمكن ان نصفه ونعبر عنه بالفتنة التي هي اشد من القتل.

الاسلام وهداية الانسان:

ولذلك يحرص الاسلام على تربية الانسان وهدايته الى الطريق المستقيم والى سبل الحياة السعيدة من خلال عاملين مهمين:

اولا - من خلال بناء فكره وسلامة منهجه في الحياة.

ثانيا - التنشئة والقدوة الحسنة.

وهنا نقول " لو فتشنا عن هوية الارهابين في الحياة وفي كل مكان نجد بأنهم لم يحظوا بتربية صحيحة وسليمة منذ الطفولة، لا فتقادهم القدوة الصالحة التي تضيء للإنسان الحياة وبرؤية ايجابية عبر التاريخ والحاضر والمستقبل، او بأن العقيدة والفكر الذي تبنوه سقيما منحرفا فاسدا، وهذا هو مكمن الخطورة في طريق الانسان. يقول الامام علي في نهج البلاغة " الا وان لكل مأموم أمام يقتدي به ويستضئ بنور علمه" ويشير الامام علي الى بعض النماذج من الناس في الحياة ويقول " الصورة صورة انسان، والقلب قلب حيوان، لا يعرف باب الهدى فيتبعه ولا باب العمى فيصد عنه، فذلك ميت الاحياء".

ولذلك علينا ان نعرف هوية الارهابيين ومنطلقاتهم ودوافعهم من خلال تلك العقد التي عشعشت في نفوسهم وتكرست عبر الزمن، وكذلك ما يتبنوه من منهج خاطئ في تفسير الحياة والحقائق، هذا من جهة، وأيضا التعرف على تلك الزعامات والشخصيات التي ينتمون اليها ويتخذوها قدوة في حياتهم سواء من التاريخ او الحاضر من جهة أخرى. فهي عوامل متداخلة.

قساوة القلب نتيجة طبيعية للسلوك والمنهج المنحرف:

ان قساوة القلوب صفة ملازمة للإرهابيين لأنهم لا يتورعون عن القيام بكل الشرور والجرائم البشعة والمأساوية، فهذه الاعمال لها تأثيرها على النفس البشرية وعلى القلب، اما تلك الافكار السامة فهي التي تبرر لهم القيام بهذه المهمات ويفتخرون بذلك ويعتبرونها انتصارا وانجازا لهم، فيتصورون من خلال هذا الاعتقاد أنهم يملكون الحق والحقيقة المطلقة، ودون ان يسمعوا وينصتوا الى كلام الناس والاخرين، ولا يتعظون بكلام أحد أو جهةمعتبرة. وبذلك يمنعون عن انفسهم كل تأثير حتى ولو كان فيه خير واصلاح وهداية وهو خلاف منهج القرآن الكريم الذي يقول وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً النساء66،

ولذلك من سمة هذا النوع من الارهاب والتعصب هو الانغلاق وعدم الانفتاح على الاخر، وعدم قبول الحوار، وهي مشكلة تضاف الى هذا الاتجاه، فهم لا يؤمنون بالأخرين المختلفين معهم، ولا بالتعدد في الرأي والاجتهاد، وهذه مدرسة في الواقع ليست وليدة الحاضر بل هي مدرسة تاريخية تأسست في صدر الاسلام واستغلت كما اشرنا من قبل الحكومات والاتجاهات السياسية، ويعتبر الخوارج نموذج في التاريخ.

ان الانفتاح والتفكير ضرورة ايمانية ومنهجية من اجل التعرف على الحقيقة وصدق الاخرين، اما التعصب يمنع الانسان من ذلك، مما يقود الانسان الى الجهل والتشكيك والاتهام لغيره دون برهان ودليل، وهذا خلاف للنهج القرآني والاسلامي الاصيل يقول تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إنْ هُوَ إِلَّا نَذِير ٌلَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ سبأ 46 ويقول ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْر ُمَن مَّعِيَ وَذِكْر ُمَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ الأنبياء24.

ولذلك يحذر القرآن من التعصب المقيت الذي يقود الانسان الى الضلال والهلاك، بسبب الجهل والعناد والاسترسال في الغي، وكنموذج على ذلك هم بني اسرائيل حيث يدعون بأنهم على حق وافضل الخلق وهم أولياء الله واحباؤه أما غيرهم فهم لا يستحقون الحياة وان مصيرهم النار ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ البقرة111.

كما يحذر القرآن من التقليد الاعمى للتاريخ والماضي او الاباء:

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا َتَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِنقَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ المائدة77

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً النساء171

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا ْبَل ْنَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُم ْلاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ البقرة170.

ان التعقل والتفكير صفة انسانية تميز الانسان عن غيره من سائر الكائنات التي تتساوى مع الانسان في كل شيء، وبدون استعمال العقل والتفكير يصبح الانسان كغيره من سائر المخلوقات بل يصبح اضل، كما أشار القرآن ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً الفرقان44

قساوة القلوب في القرآن والسنة المطهرة:

اذا قساوة القلوب مرحلة خطيرة فهي صنيعة عوامل، فهي مرحلة متأخرة، ولا يمكن ان تكون في بدأ مراحل الانسان وطفولته، وقد أشار القرآن الى هذه المرحلة وأثرها على حياة الانسان يقول تعالى فطال ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ الحديد، 16، ثم انظر الى هذه المقارنة، ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ البقرة74، ويقول ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ الأنعام 4، ويقول ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ الزمر22، ويقول ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ الحج53، ويقول ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ المائدة13

وبالطبع ليس من الضرورة أن تجتمع هذه العوامل دفعة واحدة أو في شخص واحد، يكفي ان يكون هناك عامل من العوامل، فان الخوارج وأمثالهم في العصر الحاضر يكثرون من العبادة والتنسك لكنهم فاسدو الفكر ومتعصبون، وقد أشارت الاحاديث الى هذه العوامل وآثارها:

اولا - عدم قبول الحق «أي فساد العقيدة والفكر» كما أشارت الآية وانطباقها على النصارى. ويقول الامام علي " الفكر مرآة صافية " ويقول أيضا " الأفكار أئمة القلوب، والقلوب أئمة الجوارح"». فكيف نتصور اذا كان هذا الفكر يقود الانسان الى تكفير الناس، وبغضهم؟ فما هي النتيجة؟

ثانيا - كثرة الذنوب والمعاصي، ففي الحديث «ما جفت الدموع الا لقسوة القلوب وما قست القلوب الا لكثرة الذنوب» ميزان الحكمة ج8ص238

ثالثا - ترك العبادة «ترك العبادة يقسي القلب ترك الذكر يميت النفس» نفس المصدر السابق.

رابعا - طول الامل «من يأمل أن يعيش أبدا يقسو قلبه ويرغب في الدنيا» «فيما ناجى الله تعالى موسى : يا موسى لا تطول في الدنيا أملك فيقسو قلبك والقاسي مني بعيد»

خامسا - كثرة المال «كثرة المال مفسدة للدين مقساة للقلب»

سادسا - التملق للسلطان «ثلاث يقسين القلب... واتيان السلطان». مثل علماء السلاطين، والاعلاميون المرتزقون.

سابعا - البخل «النظر الى البخيل يقسي القلب»

اذا قساوة القلب خطيرة لما لها من اثار سلبية على حياة الانسان وبصيرته واستقامته، ولقد حذرت الروايات من ذلك نتعرض لبعضها:

1 - " ان لله عقوبات في القلوب والابدان: ضنك في المعيشة، ووهن في العبادة، وما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب» ج8 ميزان الحكمة

2 - عن الصادق عن حكيم أنه قال " قلب الكافر أقسى من الحجر".

3 - ونهج البلاغة للإمام علي ".... فالقلوب قاسية عن حظها، لاهية عن رشدها، سالكة في غير مضمارها! كأن المعني سواها، وكأن الرشد في احراز دنياها! " خطبة 83

4 - ومن وصايا أمير المؤمنين لأبنه الحسن عليهما السلام " قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك " نهج البلاغة.

5 - وفي الدعاء للإمام زين العابدين في الصحيفة السجادية " اللهم أشكو اليك قلبا قاسيا مع الوساوس متقلبا، وبالرين والطبع متلبسا، وعينا عن البكاء من خوفك جامدة، والى ما يسرها طامحة.. "».

الإسلام م ورسالة الرحمة:

من هنا يؤكد الاسلام على مبدأ الرحمة للبشرية، وكذلك مبدأ السلام، في العلاقة مع الناس والنظرة اليهم، مهما كانت هناك من اختلافات وتباعد على مستوى الدين والعقيدة والفكر، لأن المطلوب في الحياة هو مبدأ التعايش السلمي مع الاخرين، وهذا يتطلب ترسيخ قاعدة الاحترام والعدل والاخلاق والمساوة، خصوصا في العصر الحاضر حيث اصبح العالم قرية واحدة، فلم يعد هناك دار الشرك ودار الكفر، فيما عدا الدخول الى الحرم الشريف لوجود النص الخاص بذلك. حيث لا يجوز الدخول الا على طهر من الشرك والكفر. ولذلك يؤكد القرآن على هذا النهج الانسان الاصيل والعلاقة الحضارية مع كل الناس دون استثناء، فكيف اذا كانت دائرة العلاقة مع أهل الاسلام والمسلمين. قال تعالى ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ الممتحنة8 ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً النساء90 ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ التوبة6

اذا القاعدة المستنبطة من هذه الآيات هو ترسيخ العلاقة الانسانية مع الجميع، وان الحالة الاستثنائية التي يجب المعاملة فيها بالمثل هي مع من يعتدي علينا دون سبب. أما في غير هذه الحالة فلا يجوز التعدي على أحد بأي شكل من الاشكال والاساليب. من هنا جاء التأكيد على المؤمنين بهذا النهج والالتزام به يقول تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً النساء94، " ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ البقرة208.

أما العلاقة بين الناس في الدائرة الاسلامية أي بين المسلمين فيجب أن تكون متميزة ومثالية، كما قال تعالى " انما المؤمنون أخوة " ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ الفتح29، كما ان هذه الاخوة والعلاقة تفرض حقوقا كثيرة فيما بين المسلين انفسهم كحرمة الدم والمال والعرض وافشاء السلام.......

أخلاق الرسول ﷺ وأهل البيت :

قال تعالى ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ التوبة128

وعلى اساس ذلك جاءت الدعوة الاسلامية والبعثة المحمدية من اجل ترسيخ هذه المبادئ في الحياة والعالم، ليصبح الاسلام هو الرائد والقائد للبشرية نحو تحقيق التقدم والبناء والحضارة يقول تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ الأنبياء107 ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً الفرقان56 ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ سبأ28.

اذا الدعوة للحق وهداية البشرية انما تنطلق من خلال هذه القواعد والمبادئ، لأنه لا يجوز اكراه الناس في معتقداتهم وأديانهم، وهذه حقيقة صريحة في القرآن لا يجوز تجاوزها والتغافل عنها بحال، يقول ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً الإسراء54، ويقول ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ البقرة256، ويقول مؤكدا ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ق45

واذا كان للامة الإسلامية شرف الدعوة للحق وهداية البشرية فان ذلك يؤكد على التزامها بهذه الاخلاقيات وصدق رسالتها، فالإسلام يحارب ويحذر من وسائل الارهاب وفرض المبادئ بالقوة والعنف والاكراه، أما الوسيلة التي يؤكد عليها الاسلام لهداية البشر هي نشر المعرفة واقامة التعارف والعلاقات الانسانية يقول تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ الحجرات13، ويقول تعالى "وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ البقرة83

وسيرة المصطفى ﷺ واهل البيت مثال يحتذى به وقدوة في كل شيء فهي السيرة العطرة وهي كذلك الحجة على البشر، أما غيرهم، أما غيرهم فليسوا بحجة لأنهم يخطؤون ويصيبون، ولذلك أكد القران على التأسي بهم وجعلهم ميزانا وقدوة يقول تعالى " ِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ الحج67 ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ القلم4، ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ الشورى23ويقول في حق أهل البيت ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ الشورى23إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً الأحزاب33.

والحق نقول انه لو التزم المسلمون بهذه السنه وتلك المبادئ والاخلاقيات للرسول الاكرم وأهل بيته لما وقعوا في هذه الانحرافات والضلالات والسلوكيات واتبعوا الافكار الضالة والمضلة وما ذلك الا بسبب انحراف عن سيرة المصطفى وأهل بيته، لأن الكثير من هذه المظاهر كالإرهاب انما نتيجة الى تلك المناهج المنحرفة والاقتداء بمن ليسوا قدوة، والامر هو التأثر بتلك المناهج التي ركنت الى تلك السياسات لتلك الحكومات الجائرة والظالمة والتي عمدت الى اقصاء مذهب أه البيت وافترت على رسول الاسلام من الاكاذيب والتأويلات وتلفيق الاحاديث، فكانت لهذه الموروثات تأثيرها ومفعولها في حياة الامة ونتائجها من التأخر والتخلف والانحطاط. وعلى سبيل المثال لا الحصر هو هذا الحديث " عليكم بسنتي وسنة أصحابي " ونحن نتساءل هل كل الاصحاب هم على حق وصدق والتزام كامل بالدين والتقوى؟ أم هناك من عمل على شق صف المسين وتحريف الدين وتمزيق وحدة الامة؟

والارهابيون ينقسمون الى أقسام، منفذون وغالبا يكونوا من المرتزقة من أجل المال، والقسم الثاني هم المخططون القياديون في الميدان كزعامات دينين او مدنية لأجل المال والشهرة والمناصب، والاخر هم المرجعيات الدينين كعلماء السلاطين وطلبة العلم،، والمأولين للدين، دون فهم ودراية واجتهاد صحيح، وهذا الاخير هم الخطر الحقيقي واشد من السابقين الطالبين للمال، فهؤلاء هم الذين يسوقون ويشرعون العنف والاعمال والعمليات الارهابية ضد من يختلفون معه، وهو الذي يشهرون سلاح الفتاوى التكفيرية ضد خصومهم في الفكر والنهج، فهم لا يقبلون الرأي الاخر المختلف. لزعمهم بأنهم يملكون الحق والحقيقة المطلقة، وكذلك هم الفرقة الناجية يوم القيامة، أما غيرهم في النار. ولا أدل على ذلك هو اساليبهم في الدعوة ولغة الخطاب وتأصيلهم للأحكام. ولذلك مما يؤخذ عليهم من الجميع واصحاب الفهم والعلماء الاخرين بأنهم سطحيون ومنحرفون يهتمون بالقشور يتركون اللباب من الدين، وهم في هذا اليوم هم أشبه بالخوارج الذين يكفرون غيرهم ويستبيحون قتلهم «راجع التاريخ في ذلك». وهم مع ذلك يرفعون شعار انصار الحق والحرص على الدين وحراس الفضيلة والدفاع عن بيضة الاسلام ووحدة الامة! فكيف ترى اخي المسلم؟

أخلاقيات ومنطلقات الدعوة في سيرة الرسول الأكرم ص:

ولذلك يؤكد القرآن على اساليب واهداف الدعوة وهداية الناس من خلال سيرة الرسول الاكرم لتكون معلما ودروسا ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ الجمعة2، يقول الحق.

فهنا يؤكد القرآن على ثلاث محاور في الدعوة والداعية:

1 - التزكية، وقد قدمها القرآن على العلم لأنها هدف للإنسان، بينما العلم وسيلة للتزكية، وبدونه لا يمن حصول التزكية والاصلاح، فتأمل.

2 - العلم «أي التفقه والدراية» كما قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ التوبة122.

3 - الحكمة «وهي حسب التعريفات اللغوية وضع الشيء في محله وبما يناسبه. والمقصود في الآية هو كيف نطبق الدين والاسلام والمفاهيم على الحياة والناس، حسب عقولهم وزمانهم ومكانهم. وتأكيدا على ذلك قوله ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ النحل125

ففي الآية تأكيد على الحكمة في الدعوة والهداية وانها يجب أن تراعى قبل الموعظة، ويدل على ذلك ان الاسلام في دعوته لا يجرد الهدف والغاية عن الوسيلة والاسلوب والمعاملة، فالغاية لا تبرر الوسيلة في الاسلام، فالله سبحانه لا يقبل الا الحسن في كل شيء، وفي الحديث تأكيد آخر " الدين المعاملة". ومن مصاديق الحكمة في الدعوة هو الجدال الحسن والاحسن كما اشارت اليه الآية.

ومن خلال هذه المحاور نعرف اسباب الانحراف عن هذا النهج القرآني الاصيل والسيرة النبوية عند اولئك المتشددين والمتعصبين الذين ينتسبون ويدعون السلفية أي بأنهم يطبقون نهج القرآن والسنة والسلف الصالح، فأين هذا النهج والاساليب والحكمة في دعوتهم واساليبهم واخلاقهم؟

ان الاساليب التي يقومون بها والأفكار التي يتبنونها انما تدل على انحرافهم وعدم تمسكهم بالقرآن ونهج الرسول الاكرم ص، وان كانوا في الظاهر يتلون القرآن ويكثرون من تلاوته ويحثون الناس على ذلك ويدعون الى السنة فلا يدل على فهمهم وتفقههم، وكم من الناس من يقرأ ولا يفهم، وكم من تعلم من العلماء وهو لا يعي من حقائق الدين شيئا ولا يعرف كيف يعمل ويطبق، مصداق لقوله تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الجمعة5، وفي الحديث " كم قارئ للقرآن والقرآن يلعنه "، وفي الحديث الشريف " قصم ظهري اثنان عالم متهتك، وجاهل متنسك". ولا أدل على هو تعصبهم وتشددهم وتكفيرهم للناس، وكذلك اساليبهم المنفرة للنفوس ودعواتهم الباطلة في توحيد الخالق، ووحدة الامة، ولكنهم في الواقع هم ممن يمزقون صف الامة ويضعفون وحدتها ويبثون الفتن هنا وهناك تحت شعارات الدين والمفاهيم المغلوطة، ومن سماتهم الظاهرية هو تمسكهم بالمظاهر الشكلية من اللحية والثوب وغير ذلك على حساب مضامين الدين وغايته وجوهره ومصالح الامة والمسلمين. كما ان مواقفهم من قضايا الامة في العالم والاحداث تدل على خطرهم وانحرافهم ووبالهم.

شذرات من حياة الرسول في قومه:

ولو تمعن هؤلاء في سيرة المصطفى ﷺ مع قومه واقتدوا بذلك لكانوا بخير، لكنهم تجنبوا وتخلوا عن ذلك واخذوا ما يناسبهم وفسروها حسب ما يحلوا لهم، فالرسول انما واجه قومه بالحكمة البالغة والموعظة الحسنة والاخلاق الفاضلة، وهو الذي قال عنه القرآن ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ آل عمران159، فمع ما لاقاه من الاذى والعراقيل والتحديات الا انه كان رحيما ومتسامحا، وكان يلجا في كل ذلك الى الله سبحانه، كما حدث له في الطائف، وكان بعض اصحابه يطلبون منه الدعاء على القوم في الحروب والغزوات ولكنه يبادرهم بأني بعثت رحمة مهداة ولم أبعث سبابا ولعانا". وقال اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون، وحينما دخل فاتحا الى مكة تقدم بالعفو عن المشركين والكفار، وامر اصحابه ان بالرحمة والرفق ولا تأخذهم زهوة الانتصار. أما ما قام به في المدينة المنورة يفوق التصور والتوصيف مقارنة بالمدة والزمن القصير، حيث اسس الى تلك الدولة المدنية والحضارة التي لم يعرف التاريخ مثلها والى عصرنا الحاضر، ومن اهم وابرز الاعمال التي قام بها هي المآخاة بين الانصار والمهاجرين، والوحدة بين ابناء الامة على اسس قويمة من العدل والمساواة والحرية، كما انه دعى جميع الناس الى السلام واحترام الاديان كما هو في صلح الحديبة في السنة السادسة من الهجرة النبوية راجع.

وعلى هذا النهج سار أهل البيت واخذوا عن نبيهم وجدهم، فترى حياتهم وسيرتهم قبسات من تلك السيرة النبوية، فتمعن في حياتهم واقوالهم وسيرتهم ومواقفهم، ولذلك اكد الرسول ﷺ على التمسك بهم والاقتداء بهم، كما جاء في حديث الثقلين التي شهدت له البراهين والعقول والنفوس الطيبة. ويقول الرسول ﷺ " مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلى عنها هلك" وعنه " مثل أهل بيتي فيكم كالنجوم في السماء ما أن اقتديتم بأحدهم اهتديتم" ومن يقاس بأهل البيت او يدعي مساواتهم، الا من كان منحرفا، او معاديا، او مبغضا ناصبيا، فأهل البيت كانوا مثلا في كل جوانب حياتهم، ولم يدع أحد في زمانهم من ينكر فضلهم، ولهذا السبب كانوا محط أنظار الناس ومهوى القلوب ومدرسة العلم والعلماء، ولهذا السبب ايضا كانوا نقمة على الظالمين والمبغضين للحق والمنحرفين عن النهج السوي والاسلام، فلم يذخر أهل البيت شيئا في مصلحة الاسلام والامة والبشرية الا قدموا، وضحوا بذلك بأنفسهم وذويهم واموالهم وبكل غال ونفيس، وقد خلدهم القرآن ليكونوا قدوة وامتداد للرسول الاكرم، حيث نزلت فيهم سورة كاملة سورة الانسان ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً • إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً

وصية الامام علي لمالك الاشتر:

وهنا لا بد من وقفة مع وصي رسول الله ص، الذي واسى اخاه النبي الاكرم في كل شيء، فقد سار الامام على كما أمره ربه ونبيه دون أي انحراف او خطأ قيد انملة، فهو الامام المعصوم، لكن المطلوب هو الوقوف عند نهجه وسيرته كذلك ومعاملته ومعرفته الشاملة للدين والحياة، فحياته كلها دين وعبر ودروس وحكم ومواعظ وتوجيه، لذلك اصبح هو الميزان بعد القرآن والرسول ﷺ الحق والفضيلة والهدى، هذا ما أكد عليه الرسول ﷺ حيث قال " علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار" ويقول " لقد قضي فقضى على لسان الرسول الامي لا يحبكم الا مؤمن ولا يبغضك الا منافق". وكفى في ذلك حجة وموعظة لمن له قلب والقى السمع وهو شهيد.

فكان قمة في كل شيء، لأنه كان مع الله في كل شيء، لكن من الجوانب المضيئة في حياته، هي تلك الوثيقة التي ارست قواعد السياسة والعلاقة بين الراعي والرعية بين الحاكم والمحكوم، ففي هذا الجانب تنكشف سرائر الناس حتى المؤمنين والملتزمين والمصلحين، فالرئاسة وادارة الدولة هي من اصعب الامور واعظم الاختبارات والامتحانات لدين الانسان وصدق التزامه ووعيه، كما يقول الرسول ﷺ " ما ذئبان ضاريان أشد على دين المرء من حب الرئاسة". يقول في وصيته " اشعر قلبك الرحمة للرعية ولا تكن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم فان الناس صنفان اما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق ".

ويقول حينما كان حاكما " أو يقال لي أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر وجشوبة العيش، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا عهد له بالقرص...

ومع ذلك يقولون بكفره والعداوة له ولأصحابه وشيعته!

الوسطية والاعتدال:

اذا ان سنة المصطفى وأهل بيته ومنهجهم يمثل الاعتدال والوسطية لأنهم دعاة سلام ورحمة ويتعاملون مع الناس باللين والرفق، ولا يكرهون الناس في عقيدتهم، كما أنهم يحاربون الغلو والتعصب والعداوات، فهذا أمير المؤمنين علي يقول " هلك في اثنان محب غال ومبغض قال "، والائمة حاربوا الغلو وكفروا اصحابه وأمروا أصحابهم بعدم مخالطتهم لهم. وخير مثال على هذه المعاملة هو موقف الامام علي من الخوارج الذين كفروه، فأمر أصحابه أن لا يسبوهم ولا يتعرضوا لهم، طالما لم يبادروا هم بالحرب او هدم المساجد.... فقال لأصحابه أكره لكم أن تكونوا سبابين ".

الارهابيون ومشاهد وصور المآسي الدامية:

وبالرغم من هذه المآسي الدامية والاحداث التي يقوم بها الارهابيون في كل مكان وبالخصوص في العراق، حيث لا يمر يوم او ساعات الا ونسمع ونشاهد تلك الصور المروعة والمفجعة والتي يذهب ضحيتها العشرات والمئات من الابرياء والاطفال والنساء دون سبب وذنب، ونراهم يتعمدون ويتقصدون بالذات وبالخصوص شيعة آل البيت عند المناسبات الدينية والشعائر الحسينية، كما هو في العراق على سبيل المثال وليس الحصر، التي يشاهدها العالم عبر القنوات ووسائل الاتصال، تكشف عن هوية هؤلاء ومن خلفهم وممن يمولهم، واذا قيل " بأن الارهاب ليس له هوية " فهذا غير صحيح. ولكن السؤال هل يدرك هؤلاء عظم هذه المآسي وآثارها على الناس والنفوس والنساء والاطفال، وعلى مستقبل حياتهم ومسيرتهم في الحياة؟ فاذا تجاوزنا الالاف من الضحايا والشهداء من الابرياء، كيف ننظر الى من بقي من الضحايا من المعوقين والمرضى والارامل والايتام وتفشى الامراض النفسية، كما أن لهذه الاعمال من سلبيات على مستوى البناء والتنمية في كل البلدان التي تتعرض الى هذا الخطر.

كما تتعجب بأن الكثير من هؤلاء الارهابيين هم مغرر بهم ومرتزقة يقومون بهذه الاعمال، وينفذون المخططات نيابة عن تلك الجماعات الدينية المتطرفة، بأجور وأثمان بخسة من المال؟ وذلك حسب اعترافات بعظهم بعد القبض عليهم.

وبسبب ذلك تعاني البشرية والمجتمعات من ويلات هذه الظاهرة بشكل قد لا نتصوره ولا نشعر به وان كنا نشاهده عبر الشاشات، فالأحداث والمآسي التي تقع في كثير من الدول الاسلامية والعربية وبشكل مستمر قد تستطيع هي وحدها أن تنقل لنا صورة مشاعرها وأحاسيسها المتذمرة من هذا الخطر، وتكشف عن تلك المعاناة اليومية وبشكل مستمر وتأثيراتها السلبية الحادة على حياتهم واسرهم وارزاقهم ونفوسهم، فما يقع من تفجيرات ومشاهد مروعة ومآسي عظيمة من القتل والتدمير والحرائق وفي كل مكان سلب من الحياة طعمها وابريقها، أما اثار هذه المآسي الانسانية والاجتماعية فلا يمكن التكهن بها، لأن الاثار السلبية من الامراض والمعوقات والعقد النفسية والفقر والبطالة والانحرافات السلوكية والاخلاقية كلها فتاكة وذات تأثير عميق، وتتعدى تأثيراتها الى الاجيال القادمة، فاستخدام الغازات السامة مثلا ضد الانسان خطرها عظيم فهي تتصل بالجينات الوراثية التي تنقل العدوى الى من يأتون في كل زمان. وهنا نقول الا تدل هذه الاعمال والاساليب الوحشية على قساوة القلوب والضلال والبعد عن الله.

خلاصة: الارهاب من أعظم الظواهر السلبية في عصرنا الحاضر، فلا تنحصر المعاناة والتأثيرات السلبية منه ببلد دون آخر، فالإرهاب اليوم يتفشى في كل مكان في العالم، وان كانت حدته وتأثيراته المباشرة تكمن في تلك البلاد التي تتواجد تلك التيارات المتشددة والارهابية، والتي اصبحت بؤر تنطلق منها هذه التيارات وتتوسع في كل الدوائر، من هنا يجب التأمل ودراسة هذه الظاهرة، لأنها تهدد الحياة الانسانية بأسرها والتفكير ووضع الحلول ومواجهته بكل الاساليب والخطط النظرية والعملية التي تكفل محاصرته وتجفيف منابعه ومصادره والأهم هو تحصين شباب الامة من هذا الفكر الضال والمضل لكي لا يصبحوا ضحية وقنابل موقوتة.

فالإرهاب ليس مشكلة عادية، بل هي مشكلة خطيرة وحضارية أي تهدد الكيان البشري والاستقرار "ولهذا السبب نقول يجب تظافر الجهود على مختلف الصعد والمستويات النظرية والعملية، من قبل الجميع، كعلماء ومفكرين ومؤسسات ومجتمعات ودول ومنظمات للوقوف أمام هذه الظاهرة دون استمرارها ومحاولة استئصالها من جذورها بكل الوسائل. لأنها ضد مبدأ الحياة وتقوض مبادئ السلام.

• بمناسبة مولد سيد الكائنات نبينا الأكرم محمد ﷺ نبي الرحمة والسلام.

سيهات