آخر تحديث: 29 / 1 / 2022م - 7:03 ص

السعوديون والأصوليات المذهبية

محمد المحفوظ * صحيفة الرياض

المجتمع السعودي كغيره من المجتمعات المحافظة، الذي كانت العلاقة بين مكوناته وتعبيراته، علاقة ودية، طبيعية، وذات أفق وطني، تتجلى في احترام المواطنين بخصوصيات بعضهم البعض. وبالتالي فإنه لم يكن ينظر أي المجتمع السعودي لتنوعه الأفقي والعمودي، بوصفه مشكلة من المشاكل ينبغي معالجتها، بل يعتبر هذا التنوع حالة طبيعية، اجتماعية لا تتعدى ذلك.

وكان الجميع بمستوى من المستويات، يعيش حالة انسجام وتناغم بين نفسه ومحيطه الاجتماعي، حتى لو كان هذا المحيط متنوعا في أصوله الاجتماعية والقبلية، إلا أن العلاقة طبيعية بين الناس مهما تعددت قبائلهم أو أصولهم المناطقية أو الاجتماعية.

وحينما هاجر بعض المواطنين لطلب الرزق أو للدراسة إلى مناطق ومدن أخرى من المملكة، لم يجد هذا الشاب القادم من أقصى المملكة أية مشكلة في الانسجام والتكيف مع زملائه في الدراسة والعمل القادمين من مناطق أخرى أو أصحاب المدينة التي يدرسون أو يعملون فيها.

فكانت مجموعة الأصدقاء تضم شابا من نجد وآخر من القطيف أو الأحساء وثالثا من جازان أو نجران أو الطائف أو جدة ولم تكن تفرقهم أية عناوين فرعية. فالجميع يشعر بمواطنيته، وأن زميله هو كذاته في المواطنة والاحترام. وكل أجيال الخمسينيات والستينيات والسبعينيات يحملون ذكريات طيبة تجمعهم مع زملاء في الدراسة أو العمل من مناطق ومذاهب مختلفة. والجميع يعتز بهذه المعرفة والصداقة والزمالة، دون عقد توتر هذه العلاقة أو تدخلها في أتون نقاشات وجدالات تؤسس لإحن بين الأصدقاء. وإذا تم إثارة نقاشات ذات طابع مذهبي فهي في سياق كسر الجهل أو الاستزادة المعرفية وليس في سياق المماحكات المذهبية التي تفرق ولا تجمع، وتؤسس لأحقاد بين أهل الوطن الواحد تساهم في تدمير النسيج الاجتماعي.

وكاتب هذه السطور يحمل الكثير من الذكريات الجميلة لزملاء له سواء في مقاعد الدراسة أو حقل الرياضة. فكنا في الفصل الواحد من أصول اجتماعية متنوعة ومذاهب متعددة إلا أن علاقتنا دائما محكومة بالود والاحترام المتبادل، ولم تكن لدينا مشاعر معادية لأسباب مناطقية أو مذهبية أو اجتماعية. فكنا جميعا نعيش في حالة وئام وانسجام مع النفس والمحيط، ولم يكن الانتماء المذهبي المختلف يحول دون نسج علاقات اجتماعية، طبيعية مع الآخر الداخلي.

فالجميع يحترم خصوصيات الآخر، ويعلي من قيمة الوطن والمواطنة الذي يجمعنا بكل تنوعنا وتعددنا الأفقي والعمودي.

ولكن نقطة التحول الكبرى التي أصابت المجتمع السعودي، وأدخلته في مرحلة التوجس والحذر من الآخر الداخلي، هي مرحلة بروز النزعة الأصولية التي هيمنت في نهاية السبعينيات وحقبة الثمانينيات على المشهد السعودي برمته.

وفي هذه الحقبة بدأ الجميع يتلمس أو يتعرف على ذاته المذهبية على قاعدة الخصومة مع الذات المذهبية الأخرى. وبدأ الجميع يفكر في بناء الحواجز النفسية والاجتماعية مع المجموعات المذهبية الأخرى، وتحول المجتمع السعودي إلى مجموعة من المجتمعات التي تعيش تحت سقف وطني واحد. لأن الأصوليات الدينية والمذهبية تفرق ولا توحد، وتبحث عن التباينات وتتجاهل المشتركات، كما أنها تخلق ثقافة مجتمعية قائمة على المفاصلة الشعورية والاجتماعية مع المختلف.

وأحسب أن أغلب المشكلات الجوهرية التي يعاني منها المجتمع السعودي اليوم، هي وليدة مرحلة بروز النزعة الأصولية التي تحكمت في مسار ومسيرة المجتمع السعودي بكل تعبيراته وفئاته خلال العقود الثلاثة الماضية. وأرى أن وحدة المجتمع السعودي وحماية وحدته الوطنية تتطلبان العمل على تجاوز تلك المرحلة الأصولية، ودون ذلك ستتحكم فينا الكثير من النزعات الانشقاقية والهويات الفرعية التي تجعل الجميع ينحبس في دائرته الخاصة دون التفكير في سياق متحد اجتماعي ووطني.

وحينما ندعو إلى تجاوز النزعة الأصولية في التجربة السعودية فإننا نقصد بذلك النقاط التالية:

1- من الضروري فك الارتباط بين الدين والنزعة الأصولية. فجميعنا يعتز بدينه وإسلامه، ويعتبر أنه لا حيثية لنا جميعا بدون ديننا وإسلامنا. ولكن الاعتزاز بالدين شيء، والتمسك بهيمنة النزعات الأصولية على مجتمعنا شيء آخر.

لأن النزعة الأصولية هي عبارة عن قراءة واحدة، أحادية في مدونة الإسلام، وأن هذه القراءة ذات أغراض سياسية، لا تسع جميع المواطنين، وإنما تعبر بالضرورة عن بعض المواطنين. ولعل الكثير من التباسات العلاقة بين تعبيرات المجتمع السعودي، نابعة من السعي إلى فرض قراءة أصولية واحدة على جميع المواطنين.

لذلك آن الأوان لفك الارتباط بين الدين بوصفه مجموعة من القيم والمبادئ الخالدة، التي تحترم الإنسان مطلق الإنسان وجودا ورأيا وحقوقا، وبين قراءة أحادية لقيم الإسلام لا ترقى إلى مستوى أن تكون معبرة عن جميع المسلمين.

2- ثمة ضرورة وطنية اليوم إلى بناء مقاربة ثقافية جديدة لطبيعة العلاقة بين مكونات المجتمع السعودي. لان المجتمع السعودي يعيش حالة ثراء مذهبي وثقافي، وإن هذا الثراء المستند إلى حالة التنوع التي يعيشها المجتمع السعودي، بحاجة إلى نظام ثقافي واجتماعي يستوعب جميع حقائق التنوع الموجودة في المجتمع السعودي.

فالأصوليات تدمر العلاقة بين المتنوعين، وهذا يهدد أمن المجتمع السعودي واستقراره. لذلك ثمة حاجة ماسة لبناء مقاربة جديدة تستهدف تطوير العلاقة بين تعبيرات المجتمع والوطن. وهذا بطبيعة الحال، يتطلب من جميع الأطراف العمل على خلق وعي جديد، تجاه موضوعات الاختلاف ذات الطابع التاريخي. وصلب هذا الوعي الجديد هو أننا لا تتطابق وجهات نظرنا تجاه أحداث التاريخ، ولكننا جميعا محكومون بضرورة الاحترام المتبادل لقناعاتنا ووجهات نظرنا، ورفض كل أشكال الإساءة إلى مقدسات بعضنا البعض.

3- آن الأوان وفي ظل هذه الظروف الحساسة والخطيرة التي تشهدها المنطقة إلى تحصين مجتمعنا ووطننا من كل التوترات والصراعات الطائفية التي شهدها أكثر من بلد عربي.

ولا سبيل إلى تحصين مجتمعنا ووطنا، إلا بالإعلاء من قيمة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات ومعاقبة أي طرف يتعرض بسوء أو ينتهك الحقوق المادية والمعنوية لشريكه في الوطن بمبررات مذهبية أو طائفية. وهذا يتطلب أن يبادر أهل الوعي والمعرفة في وطننا إلى التأكيد على هذه الحقيقة، والوقوف بحزم ضد كل الإساءات التي يتعرض لها أي سعودي سواء بوصفه آحادا، أو بوصفه معبرا عن قناعة مكون من مكونات المجتمع السعودي.

وجماع القول: إن التحرر من النزعة الأصولية التي تبرر لحاملها والمؤمن بها معاداة ومخاصمة شريكه الوطني، هي بوابة حماية وتحصين وطننا من كل المخاطر والتحديات.

وما أحوجنا اليوم كسعوديين إلى خطاب ديني جامع يوحد ولا يفرق، يستوعب ولا يشتت، يبني ولا يهدم، يحترم التنوع ويصونه. فكانت مجموعة الأصدقاء تضم شابا من نجد وآخر من القطيف أو الأحساء وثالثا من جازان أو نجران أو الطائف أو جدة ولم تكن تفرقهم أية عناوين فرعية. فالجميع يشعر بمواطنيته، وأن زميله هو كذاته في المواطنة والاحترام. وكل أجيال الخمسينيات والستينيات والسبعينيات يحملون ذكريات طيبة تجمعهم مع زملاء في الدراسة أو العمل من مناطق ومذاهب مختلفة. والجميع يعتز بهذه المعرفة والصداقة والزمالة، دون عقد توتر هذه العلاقة أو تدخلها في أتون نقاشات وجدالات تؤسس لإحن بين الأصدقاء. وإذا تم إثارة نقاشات ذات طابع مذهبي فهي في سياق كسر الجهل أو الاستزادة المعرفية وليس في سياق المماحكات المذهبية التي تفرق ولا تجمع، وتؤسس لأحقاد بين أهل الوطن الواحد تساهم في تدمير النسيج الاجتماعي.

وكاتب هذه السطور يحمل الكثير من الذكريات الجميلة لزملاء له سواء في مقاعد الدراسة أو حقل الرياضة. فكنا في الفصل الواحد من أصول اجتماعية متنوعة ومذاهب متعددة إلا أن علاقتنا دائما محكومة بالود والاحترام المتبادل، ولم تكن لدينا مشاعر معادية لأسباب مناطقية أو مذهبية أو اجتماعية. فكنا جميعا نعيش في حالة وئام وانسجام مع النفس والمحيط، ولم يكن الانتماء المذهبي المختلف يحول دون نسج علاقات اجتماعية، طبيعية مع الآخر الداخلي.

فالجميع يحترم خصوصيات الآخر، ويعلي من قيمة الوطن والمواطنة الذي يجمعنا بكل تنوعنا وتعددنا الأفقي والعمودي.

ولكن نقطة التحول الكبرى التي أصابت المجتمع السعودي، وأدخلته في مرحلة التوجس والحذر من الآخر الداخلي، هي مرحلة بروز النزعة الأصولية التي هيمنت في نهاية السبعينيات وحقبة الثمانينيات على المشهد السعودي برمته.

وفي هذه الحقبة بدأ الجميع يتلمس أو يتعرف على ذاته المذهبية على قاعدة الخصومة مع الذات المذهبية الأخرى. وبدأ الجميع يفكر في بناء الحواجز النفسية والاجتماعية مع المجموعات المذهبية الأخرى، وتحول المجتمع السعودي إلى مجموعة من المجتمعات التي تعيش تحت سقف وطني واحد. لأن الأصوليات الدينية والمذهبية تفرق ولا توحد، وتبحث عن التباينات وتتجاهل المشتركات، كما أنها تخلق ثقافة مجتمعية قائمة على المفاصلة الشعورية والاجتماعية مع المختلف.

وأحسب أن أغلب المشكلات الجوهرية التي يعاني منها المجتمع السعودي اليوم، هي وليدة مرحلة بروز النزعة الأصولية التي تحكمت في مسار ومسيرة المجتمع السعودي بكل تعبيراته وفئاته خلال العقود الثلاثة الماضية. وأرى أن وحدة المجتمع السعودي وحماية وحدته الوطنية تتطلبان العمل على تجاوز تلك المرحلة الأصولية، ودون ذلك ستتحكم فينا الكثير من النزعات الانشقاقية والهويات الفرعية التي تجعل الجميع ينحبس في دائرته الخاصة دون التفكير في سياق متحد اجتماعي ووطني.

وحينما ندعو إلى تجاوز النزعة الأصولية في التجربة السعودية فإننا نقصد بذلك النقاط التالية:

1- من الضروري فك الارتباط بين الدين والنزعة الأصولية. فجميعنا يعتز بدينه وإسلامه، ويعتبر أنه لا حيثية لنا جميعا بدون ديننا وإسلامنا. ولكن الاعتزاز بالدين شيء، والتمسك بهيمنة النزعات الأصولية على مجتمعنا شيء آخر.

لأن النزعة الأصولية هي عبارة عن قراءة واحدة، أحادية في مدونة الإسلام، وأن هذه القراءة ذات أغراض سياسية، لا تسع جميع المواطنين، وإنما تعبر بالضرورة عن بعض المواطنين. ولعل الكثير من التباسات العلاقة بين تعبيرات المجتمع السعودي، نابعة من السعي إلى فرض قراءة أصولية واحدة على جميع المواطنين.

لذلك آن الأوان لفك الارتباط بين الدين بوصفه مجموعة من القيم والمبادئ الخالدة، التي تحترم الإنسان مطلق الإنسان وجودا ورأيا وحقوقا، وبين قراءة أحادية لقيم الإسلام لا ترقى إلى مستوى أن تكون معبرة عن جميع المسلمين.

2- ثمة ضرورة وطنية اليوم إلى بناء مقاربة ثقافية جديدة لطبيعة العلاقة بين مكونات المجتمع السعودي. لان المجتمع السعودي يعيش حالة ثراء مذهبي وثقافي، وإن هذا الثراء المستند إلى حالة التنوع التي يعيشها المجتمع السعودي، بحاجة إلى نظام ثقافي واجتماعي يستوعب جميع حقائق التنوع الموجودة في المجتمع السعودي.

فالأصوليات تدمر العلاقة بين المتنوعين، وهذا يهدد أمن المجتمع السعودي واستقراره. لذلك ثمة حاجة ماسة لبناء مقاربة جديدة تستهدف تطوير العلاقة بين تعبيرات المجتمع والوطن. وهذا بطبيعة الحال، يتطلب من جميع الأطراف العمل على خلق وعي جديد، تجاه موضوعات الاختلاف ذات الطابع التاريخي. وصلب هذا الوعي الجديد هو أننا لا تتطابق وجهات نظرنا تجاه أحداث التاريخ، ولكننا جميعا محكومون بضرورة الاحترام المتبادل لقناعاتنا ووجهات نظرنا، ورفض كل أشكال الإساءة إلى مقدسات بعضنا البعض.

3- آن الأوان وفي ظل هذه الظروف الحساسة والخطيرة التي تشهدها المنطقة إلى تحصين مجتمعنا ووطننا من كل التوترات والصراعات الطائفية التي شهدها أكثر من بلد عربي.

ولا سبيل إلى تحصين مجتمعنا ووطنا، إلا بالإعلاء من قيمة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات ومعاقبة أي طرف يتعرض بسوء أو ينتهك الحقوق المادية والمعنوية لشريكه في الوطن بمبررات مذهبية أو طائفية. وهذا يتطلب أن يبادر أهل الوعي والمعرفة في وطننا إلى التأكيد على هذه الحقيقة، والوقوف بحزم ضد كل الإساءات التي يتعرض لها أي سعودي سواء بوصفه آحادا، أو بوصفه معبرا عن قناعة مكون من مكونات المجتمع السعودي.

وجماع القول: إن التحرر من النزعة الأصولية التي تبرر لحاملها والمؤمن بها معاداة ومخاصمة شريكه الوطني، هي بوابة حماية وتحصين وطننا من كل المخاطر والتحديات.

وما أحوجنا اليوم كسعوديين إلى خطاب ديني جامع يوحد ولا يفرق، يستوعب ولا يشتت، يبني ولا يهدم، يحترم التنوع ويصونه.

كاتب وباحث سعودي «سيهات».